تشهد منطقة الشرق الأوسط تصعيداً متدرجاً ينذر بانفجار واسع، مع تحركات أميركية عسكرية مكثفة، وتهديدات متبادلة بين واشنطن وطهران، في وقت تتواصل فيه جولات التفاوض النووي بين الطرفين في جنيف وسط مؤشرات متضاربة بشأن فرص التوصل إلى تسوية.

 

في هذا السياق، أعلنت السفارة الأميركية في إسرائيل السماح بمغادرة عدد من موظفيها وعائلاتهم بسبب ما وصفته بـ"مخاطر أمنية"، في خطوة تعكس مستوى القلق المتصاعد داخل المؤسسات الأميركية إزاء احتمالات التصعيد العسكري.

 

وأوضحت السفارة أنها قد تفرض قيوداً إضافية على تحركات موظفي الحكومة الأميركية إلى مناطق محددة داخل الاراضي المحتله بما في ذلك البلدة القديمة في القدس والضفة الغربية، من دون إشعار مسبق، كما دعت المواطنين الأميركيين إلى دراسة خيار مغادرة البلاد طالما أن الرحلات الجوية التجارية لا تزال متاحة.

 

إجراءات احترازية وتحركات ميدانية

 

تأتي هذه الخطوة بعد إجراءات مماثلة اتخذتها السفارة الأميركية في بيروت، حيث جرى إجلاء موظفين غير أساسيين ضمن تدابير وصفت بأنها احترازية ومؤقتة، مع الإبقاء على الطواقم الضرورية. ويعكس هذا المسار تحسباً أميركياً لسيناريوهات قد تشمل ضربات صاروخية إيرانية تطاول إسرائيل في حال اندلاع مواجهة مباشرة.

 

في موازاة ذلك، واصلت واشنطن تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، عبر نشر مجموعات حاملة طائرات ومقاتلات وطائرات تزود بالوقود واستطلاع، في أكبر حشد ناري أميركي في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003.

 

وتشير تقارير إلى أن كلفة ستة أسابيع فقط من حالة التأهب تجاوزت مليار دولار للجانب الأميركي، وفق ما أوردته صحيفة هآرتس، في ظل تشغيل مستمر للقطع البحرية ومنظومات الدفاع.

 

خيارات عسكرية على طاولة ترامب

 

كشفت شبكة ABC News أن قادة عسكريين أميركيين رفيعي المستوى عرضوا على الرئيس دونالد ترامب حزمة من الخيارات العسكرية المحتملة ضد إيران، خلال اجتماع حضره الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، ورئيس هيئة الأركان المشتركة.

 

وبحسب التسريبات، تتراوح السيناريوهات بين توجيه ضربة محدودة تستهدف منصات إطلاق الصواريخ الباليستية وبعض المواقع النووية، بهدف الضغط لانتزاع تنازلات تفاوضية، وبين حملة أوسع قد تمتد لأسابيع، وتشمل استهداف البنية العسكرية والنووية، بل وقيادات في هرم السلطة الإيرانية.

 

كما أفاد موقع بوليتيكو بأن بعض مستشاري ترامب يفضلون أن تبادر إسرائيل أولاً بشن هجوم، بما يخلق مبرراً سياسياً أقوى لتدخل أميركي لاحق، ويخفض الكلفة السياسية داخلياً، خصوصاً مع اقتراب انتخابات الكونغرس.

 

انقسام داخل الإدارة وتقديرات استخباراتية متحفظة

 

في المقابل، نقلت وكالة رويترز عن مصادر مطلعة أن تقارير الاستخبارات الأميركية لا تدعم بشكل كامل مزاعم ترامب بشأن قرب امتلاك إيران صاروخاً عابراً للقارات قادراً على ضرب الولايات المتحدة. ووفق تقييمات منشورة، قد تحتاج طهران إلى سنوات إضافية قبل تطوير منظومة عابرة للقارات صالحة للاستخدام العسكري.

 

وتشير تقديرات مراكز أبحاث إلى أن الترسانة الإيرانية الحالية تضم صواريخ متوسطة وبعيدة المدى قادرة على بلوغ إسرائيل، لكنها لا تمثل حتى الآن تهديداً مباشراً للأراضي الأميركية.

 

هذا التباين بين الخطاب السياسي وبعض التقييمات الاستخباراتية يعكس جدلاً داخلياً حول مدى جدوى الخيار العسكري وتداعياته، خصوصاً في ظل مخاوف من استنزاف مخزونات الذخائر الأميركية، واحتمال فتح جبهات متعددة في حال انخراط أطراف إقليمية أخرى.

 

طهران: لا حل عسكرياً للملف النووي

 

على الضفة المقابلة، شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن المفاوضات التي جرت في جنيف كانت "جدية ومكثفة"، مؤكداً تحقيق تقدم والاتفاق على جولة رابعة قريبة. ودعا واشنطن إلى التخلي عن ما وصفه بـ"المطالب المبالغ فيها"، معتبراً أن نجاح المسار الدبلوماسي يتطلب واقعية وتجنب التصعيد.

 

وتتمسك طهران بحقها في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية وفق معاهدة عدم الانتشار النووي، وترفض نقل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، كما تطالب برفع العقوبات كشرط أساسي لأي اتفاق.

 

في السياق ذاته، استبعد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس احتمال انزلاق الولايات المتحدة إلى حرب طويلة الأمد، مشيراً إلى أن الخيار الدبلوماسي لا يزال مفضلاً، وإن كان القرار النهائي بيد الرئيس.

 

الاحتلال بين الدفع نحو المواجهة والقلق الداخلي

 

في إسرائيل، يتصاعد الجدل الداخلي بشأن كلفة أي مواجهة جديدة مع إيران. وأفادت تقارير عبر صحيفتي هآرتس ويديعوت أحرونوت بأن مئات الإسرائيليين لا يزالون خارج منازلهم بعد جولة القتال السابقة، فيما تواجه المؤسسة العسكرية تحديات في تجديد مخزون منظومات الدفاع مثل "حيتس" و"مقلاع داود" و"القبة الحديدية".

 

وتشير تقديرات عسكرية إلى أن أي جولة مقبلة قد تشمل رشقات صاروخية ممتدة زمنياً بوتيرة منخفضة، ما يرهق الجبهة الداخلية ويكبّد الاقتصاد خسائر فادحة، فضلاً عن احتمال دخول أطراف أخرى على خط المواجهة.