أثارت صور تُظهر دفع سيدة داخل مصرف مائي بمحافظة البحيرة غضبًا واسعًا، وأعاد أسئلة حول تصاعد أنماط البلطجة المرتبطة بخلافات الميراث، في ظل تركّز القبضة الأمنية على ملفات سياسية أكثر من حماية الناس في الشارع.

 

صور صادمة.. وخلاف ميراث يتحول إلى عنف علني

 

وفق بيان وزارة الداخلية، بدأ الأمر مع تداول مقطع مصوَّر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يُظهر أحد الأشخاص يتعدى على سيدة ويدفعها داخل مصرف مائي بدائرة مركز دمنهور، من دون أن يصاحب الفيديو في البداية معلومات واضحة عن هوية الأطراف أو خلفية الواقعة.

 

 

 

 

تقول الداخلية إن الفحص الأمني لم يتلقَّ أي بلاغ رسمي وقت الحادث، لكن مراجعة الواقعة أوضحت أنها تعود إلى يوم 25 من الشهر الجاري، حيث نشبت مشاجرة بين طرف أول يضم موظفًا وزوجته، وطرف ثانٍ يضم والد وزوجة شقيق الأول، وجميعهم من قاطني المنطقة نفسها بدائرة المركز.

 

التحريات، كما عرضها البيان، ربطت المشاجرة بخلافات قديمة على الميراث بين العائلتين، وتحدثت عن تبادل تعدٍّ متبادل بالعصي الخشبية بين الطرفين، دون تسجيل إصابات جسيمة في محاضر الشرطة، قبل أن تتطور المشادة إلى دفع مباشر للسيدة داخل المصرف المائي خلال لحظة توتر.

 

أوضحت الأجهزة الأمنية أنها ضبطت جميع أطراف المشاجرة والأدوات المستخدمة، وأن من ظهر في الفيديو هو زوج الشقيق، الذي اعترف بدفع زوجة أخيه أثناء الاشتباك، بينما جرى إنقاذ السيدة من المياه، وإحالة الملف برمته إلى النيابة العامة لبدء التحقيقات واتخاذ القرارات القانونية.

 

حوادث متكررة.. ميراث وعنف وغياب ردع فعّال

 

واقعة البحيرة لا تبدو معزولة عن سياق أوسع؛ فملفات الحوادث خلال السنوات الأخيرة تُظهر نمطًا متكررًا لعنف عائلي مرتبط بالميراث والخلافات المالية، من قتل ذوي القربى في قرى الصعيد، إلى اشتباكات تستخدم فيها الأسلحة البيضاء والعصي في محافظات الدلتا والوجه البحري.

 

تحليلات صحفية حديثة ترصد ارتفاعًا ملحوظًا في حوادث العنف والجرائم في مصر، وتربط بين الضغط الاقتصادي، وتراجع الأمان الاجتماعي، وتزايد اللجوء إلى “البلطجة” كأداة لحسم النزاعات، مع الإشارة إلى أن كثيرًا من الجرائم تنفجر بسبب خلافات لا تُصنَّف أصلًا كصراعات كبرى.

 

في تقرير مطوّل عن الجريمة، نُقل عن خبيرة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن أسبابًا بسيطة، كان يمكن التعامل معها بالتفاهم أو القانون، باتت تدفع إلى مستويات عالية من العنف، وأن العنف الأسري تحديدًا يتزايد مع الأزمات الاقتصادية وضغوط المعيشة الممتدة.

 

التقرير نفسه يشير إلى أرقام مقلقة؛ منها رصد 143 حالة عنف في شهر واحد فقط، بينها 46 جريمة قتل بطرق عنيفة، مع توسع لافت في ظاهرة “البلطجة” التي تُمارَس أحيانًا بوصفها خدمة مأجورة لحسم النزاعات، في ظل شعور قطاعات من المواطنين بأن اللجوء إلى القضاء مكلف وبطيء.

 

خبراء: الإفلات من العقاب يغذي البلطجة والعنف اليومي

 

على مستوى أوسع من حادثة البحيرة، يحذر الحقوقي المصري محمد زارع، نائب رئيس الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، من أن الإفلات من العقاب في مصر “وصل إلى مراحل غير مسبوقة”، وأن غياب المحاسبة الجادة على الانتهاكات والعنف يؤثر مباشرة في ثقة الناس بالقانون وبفكرة الردع ذاتها.

 

يرى زارع، استنادًا إلى تجربته في متابعة قضايا التعذيب والانتهاكات، أن المواطن الذي يشاهد تجاوزات جسيمة بلا حساب، سواء داخل أماكن الاحتجاز أو في الشارع، يتلقى رسالة ضمنية بأن القانون انتقائي، ما يفتح الباب أمام توسع “العدالة باليد” والبحث عن بلطجية لحسم النزاعات بدل المحاكم.

 

الكاتب والباحث المصري عزت النمر يربط، في قراءة اجتماعية لعشر سنوات من الحكم العسكري، بين ازدياد العنف في المجتمع وبين ما يسميه “عنف السلطة الممنهج”، مشيرًا إلى أن السلطة قدمت نماذج في الفن والإعلام تمجّد البلطجة، وأن هذا انعكس في حوادث القتل والتحرش والعنف في الشارع.

 

النمر يذهب أبعد من ذلك حين يتحدث عن “رعاية الشرطة للبلطجية” في محطات سابقة، واستدعائهم سياسيًا لفض التظاهرات، معتبرًا أن استخدام البلطجة كأداة سياسة ترك أثرًا طويل المدى على القيم الاجتماعية، ورسّخ لدى بعض الفئات أن العنف يمكن أن يكون طريقًا مقبولًا لتحقيق المكاسب أو فرض السيطرة.

 

أمن منشغل بالمعارضين.. وشارع مكشوف أمام البلطجة

 

من زاوية حقوقية، يصف حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الوضع الراهن بأنه “أسوأ أزمة حقوقية في تاريخ مصر الحديث”، ويتحدث عن اعتماد واسع على السجن والتخويف كأدوات حكم، مع غياب إصلاح حقيقي لمنظومة العدالة والأمن في قضايا المواطنين اليومية.

 

في مداخلاته أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، يلفت بهجت إلى أن الخطاب الرسمي يرسم صورة وردية عن احترام الحقوق وسيادة القانون، بينما يعاني الناس في الواقع من غياب العدالة الجنائية الفعّالة، وهو ما ينعكس في قضايا عنف أسري ومجتمعي لا تجد أولوية كافية في سياسات الدولة.

 

أحمد مفرح، المدير التنفيذي لمنظمة “لجنة العدالة”، يحذر بدوره من “تدهور متزايد” في أوضاع حقوق الإنسان، ويؤكد أن القمع السياسي في مصر “يستمر بلا هوادة”، مع استمرار استهداف المدافعين عن الحقوق، ما يعني أن جزءًا معتبرًا من موارد الأجهزة الأمنية موجه لملاحقة النشطاء بدل تعزيز أمان الشارع.

 

يعزز هذا الانطباع ما تكشفه تقارير منظمات دولية؛ إذ تذكر “هيومن رايتس ووتش” أن العقد الثاني من حكم الرئيس الحالي شهد “تصاعدًا في القمع الواسع”، مع احتجاز آلاف المعارضين السلميين، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الاقتصادية وتضعف الرقابة العامة والمساءلة، بما يحد من قدرة المجتمع على مواجهة العنف اليومي.

 

في الخلفية، تشير تحليلات عن الجريمة في مصر إلى أن ضعف سيادة القانون، وتباطؤ التقاضي، وارتفاع تكاليف الوصول للعدالة، كلها عوامل تدفع بعض المواطنين إلى البحث عن حلول خارج إطار الدولة، من الاستعانة ببلطجية، إلى الانتقام الفردي، وهو ما يظهر بوضوح في نزاعات الميراث المتحولة إلى اشتباكات دامية.

 

ويرى مراقبون أن حادثة إلقاء سيدة في مصرف مائي بالبحيرة، على خلفية خلاف ميراث عائلي، ليست إلا وجهًا صغيرًا لأزمة أوسع؛ أزمة مجتمع يشعر بأن الدولة أكثر حضورًا عندما يتعلق الأمر بقمع المعارضين، وأقل حضورًا عندما يتعلق الأمر بحماية المواطنين من عنف أقرب الناس إليهم.