ضاعفت طفرة المبيعات العقارية خلال آخر 3 سنوات الضغط على شركات المقاولات والعمالة، بعد أن سمحت حكومة الانقلاب بتسويق عشرات الآلاف من الوحدات على الورق دون أي تخطيط حقيقي لقدرات التنفيذ، لتدخل السوق في 2026 مرحلة استحقاقات قاسية يدفع ثمنها المقاولون والعمال والمشترون، بينما تتنصل الدولة من مسؤولية تنظيم القطاع أو تخفيف كلفة الانفجار في الأسعار.
طفرة مبيعات بلا تخطيط تنفيذي
السوق العقارية المصرية سجّلت في 2023 مبيعات تقارب 35 ألف وحدة لصالح أكبر 10 مطورين، وفق تقرير "ذا بورد كونسالتنج"، وهو رقم غير مسبوق يعني عملياً التزاماً بتسليمات كثيفة خلال سنوات محدودة في ظل اقتصاد مضطرب وسوق عمل محدود، ما يحوّل ما رُوِّج له كقصة نجاح إلى عبء تنفيذي ضاغط على كل حلقات سلسلة البناء من أول المقاول الصغير وحتى شركات التطوير الكبرى.
وخلال الفترة من 2021 إلى 2023 بِيعت نحو 80 ألف وحدة من هذه الفئة وحدها، يُفترض تسليمها بين 2025 و2027، مع بداية موجة التسليمات الفعلية في 2026، ما يضع شركات التطوير أمام اختبار صارم للقدرة على الالتزام بالجداول الزمنية؛ اختبار لم تبنِ له حكومة الانقلاب أي سياسة واضحة لتوسيع طاقة القطاع أو ضبط علاقته بالتمويل والبنوك، واكتفت بدور المتفرج وهي ترى السوق تُثقِل نفسها بتعهدات تسليم تفوق قدرة الموارد المحلية على الاحتمال.
تقرير "ذا بورد كونسالتنج" عن 2023 أشار أصلاً إلى أن قفزة مبيعات كبار المطورين تجاوزت 700 مليار جنيه لنحو 20 مطوراً بارتفاع يفوق 100% عن العام السابق، موضحاً أن جزءاً كبيراً من هذه الطفرة مرتبط باعتبار العقار ملاذاً لحماية المدخرات من التضخم، وبزيادة أسعار الوحدات نتيجة ارتفاع تكلفة مواد البناء بنسبة تراوحت بين 25% و50% تحت ضغط السياسات النقدية وارتفاع الأسعار. هذا النمط يعكس بوضوح أن حكومة الانقلاب تركت السوق يهرب من فشلها في إدارة العملة والادخار إلى العقار، دون أن تسأل من أين ستأتي القدرة التنفيذية لاحقاً، ومن سيدفع كلفة هذه الفجوة بين وعد البيع وبين واقع مواقع البناء.
أجور تقفز وهوامش تنهار
المطورون أنفسهم يعترفون بأن السنوات الحالية والقادمة هي "سنوات الإنشاءات"، وأن مرحلة البيع السهل انتهت وحلت محلها مرحلة الجري وراء التنفيذ بأي ثمن؛ فحسن نصر، الرئيس التنفيذي لشركة Gates Developments، يؤكد أن السوق تمر بمرحلة فارقة أصبح فيها التنفيذ والالتزام بمواعيد التسليم العامل الحاسم في استعادة ثقة العملاء، لذلك ضاعفت شركته مستهدفاتها الاستثمارية والإنشائية في 2026 إلى 2.5 مليار جنيه مقابل 1.5 مليار في العام الماضي، في محاولة لمجاراة التزامات تسليم صاغتها سياسة بيع مسبق واسعة تغذّيها أجواء عدم الثقة في الجنيه.
الضغط نفسه يدفع شركة "إنرشيا للتنمية العقارية" إلى رفع الإنفاق الاستثماري في 2026 إلى 6 مليارات جنيه مقابل 3.5 مليار في 2025، بزيادة تصل إلى 72%، وفق ما يعلنه رئيسها التنفيذي أحمد العدوي، بهدف تسريع وتيرة التنفيذ في كل المشروعات القائمة، وهو ما يعني أن المطورين الكبار يحرقون سيولة هائلة فقط للحاق بجداول تسليم فرضتها طفرة مبيعات سابقة، في ظل تكلفة تمويل مرتفعة وسياسة نقدية مشددة صنعتها حكومة الانقلاب نفسها ثم تركت القطاع يواجه نتائجها منفرداً.
إبراهيم المسيري، الرئيس التنفيذي لمجموعة سوماباي، يلخّص المشكلة بوضوح عندما يصف مبيعات السنوات الثلاث الماضية بأنها "جنونية"، مشيراً إلى أن الوقت الحالي هو وقت البناء والتسليم في ظل موارد محدودة، وأن أجور العمالة اليومية قفزت من 175 جنيهاً لليوم للنجار إلى 500 جنيه، وبعضهم يطلب 1000 جنيه، مع منافسة حادة على العمالة ومواد البناء بين مشروعات الساحل الشمالي والقاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية، وكلها مناطق دفعت الدولة نحو التوسع فيها بشراسة دون أي سياسة متوازنة لإدارة الموارد أو توزيع الأحمال.
هذا التشابك يوضّح كيف أن نموذج حكومة الانقلاب في دفع المطورين إلى مشروعات ضخمة في العاصمة الإدارية وشرق القاهرة وتوسعات الساحل، بالتوازي مع موجات تضخم وارتفاع أسعار الوقود والمواد، خلق سوقاً تختنق اليوم بتنفيذ تعهدات بيع سابقة، بينما كشفت تقارير "ذا بورد كونسالتنج" أن جزءاً من هذه الطفرة في 2023 و2024 كان مدفوعاً أساساً بسباق العملاء لشراء وحدات قبل زيادات جديدة في الأسعار، وليس بطلب استهلاكي مستقر يمكن أن يبنى عليه تخطيط تنفيذي متدرج وآمن.
مقاولون محاصرون بين البنوك والحكومة
شركات المقاولات تقف الآن في خط النار مباشرة؛ شمس الدين يوسف، رئيس شركة الشمس للمقاولات وعضو اتحاد مقاولي التشييد والبناء، يقر بأن المطورين يضغطون بقوة لتسريع التنفيذ للالتزام بمواعيد التسليم أو اللحاق بتأخيرات قائمة، في وقت يعتمد فيه التمويل بالكامل تقريباً على أقساط العملاء أو على الاقتراض البنكي، بينما يواجه قطاع المقاولات نفسه آثار ارتفاعات مستمرة في تكاليف التنفيذ أدت إلى تعثر عدد من الشركات وخروج أخرى من السوق، مع هامش ربح لا يتجاوز 4% إلى 5% معرض لأن يتبخر مع أي زيادة جديدة في أسعار المواد أو الفائدة أو الضرائب.
يوسف يوضح أيضاً أن أكبر ضغوط التكلفة تأتي من النقل بعد زيادات السولار، حيث يعني ارتفاع سعر لتر السولار بمقدار جنيه واحد زيادة فعلية بنحو 100 جنيه في أجرة النقل، في مفارقة تكشف كيف تنقل قرارات التسعير الحكومية المباشرة عبء عجز الموازنة إلى ظهر المقاول والعميل معاً؛ هذا بجانب قفزة أجرة "فني النجارة" إلى حوالى 1000 جنيه في اليوم كحد أدنى، ووصول سعر متر النجارة المسلحة في القاهرة وأكتوبر إلى 2200–2400 جنيه، ما يضغط على المطور والمقاول في آن واحد في "عام التسليمات" الذي صنعته طفرة بيع غير منضبطة ووقود باهظ تحت إدارة الانقلاب.
في المقابل، يحاول محمد لقمة، رئيس شركة "ديتيلز للمقاولات والإنشاءات"، التقليل من حجم الصدمة بالقول إن الضغط على معدلات التنفيذ يتركز في المشروعات الكبيرة، بينما تنفَّذ المشروعات الصغيرة غالباً بأساليب ذاتية، وإن 90% من المطورين يعتمدون على التدفقات النقدية من العملاء، مقدّراً أن الزيادة الكلية في تكلفة التنفيذ لن تتجاوز 10% مع توافر أغلب مواد البناء الأساسية محلياً، وأن ارتفاع أسعارها لن يزيد على 3% ويُطبَّق فقط على الأعمال المتبقية، لكنّه يقرّ بأن ضغط الجداول الزمنية يرفع تكلفة المقاولات عبر العمل لساعات إضافية وزيادة أجور مقاولين الباطن بما يرفع تكلفة العمالة بين 10% و15%، بينما تبقى المواد الخام مستقرة نسبياً.
فتح الله فوزي، رئيس لجنة البناء والتشييد بجمعية رجال الأعمال، يربط بين الثقة في السوق وبين القدرة على التسليم، مشدداً على أن شركات التطوير مطالَبة بتسليم مشروعاتها دون تأخير حتى لو تم التسليم على مراحل، لأن التسليم المرحلي يمنح العملاء قدراً من الاطمئنان ويحرك السوق، لكنه يلفت إلى أن الشركات الصغيرة التي بدأت قبل سنوات وتأثرت بتقلبات السوق تواجه تأخيرات أكبر، وأن تركيز المطورين على مشروعاتهم الحالية دون تشتيت التمويل في مشروعات جديدة هو الطريق الوحيد تقريباً لضمان التسليم، في سوق بات فيها أي ارتفاع في أسعار مواد البناء خاضعاً لقانون العرض والطلب لا لأي سياسة حماية من الدولة.
في المحصلة، قطاع العقار والمقاولات يدخل عام 2026 مثقلاً بتعهدات ضخمة وموارد محدودة وهوامش ربح تتآكل، لأن حكومة الانقلاب اختارت نموذجاً يقوم على بيع وحدات على الورق وجذب سيولة هاربة من انهيار الجنيه، وفتح مساحات بناء واسعة في العاصمة الإدارية والمدن الجديدة، مع رفع أسعار الوقود وترك أسعار الفائدة عند مستويات خانقة، ثم تركت المطورين والمقاولين والعمال والمشترين يواجهون وحدهم كلفة هذه السياسات، بينما تبدو الدولة غائبة عن دورها الطبيعي في التخطيط والتنظيم وتحمّل نصيبها من المخاطر في واحدة من أخطر حلقات الاقتصاد المصري اليوم.

