هروب استثمارات الدين يعرّي هشاشة الجنيه تحت حكم الانقلاب
منذ بداية الأسبوع باع المستثمرون العرب والأجانب ما قيمته 1.12 مليار دولار من حيازاتهم في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري، ما أطلق موجة ضغط جديدة على الجنيه محَت خلال ساعات مكاسب شهور، ودفعته في ختام تعاملات الثلاثاء إلى التخلي عن كل صعوده أمام الدولار والاقتراب من مستوى 48 جنيهاً، في مشهد يلخّص هشاشة نموذج إدارة العملة والديون في ظل حكومة الانقلاب المعتمدة على الأموال الساخنة لا على إنتاج حقيقي ولا إصلاح هيكلي عميق.
خروج الأموال الساخنة يكشف فشل الرهان على الديون
مبيعات العرب والأجانب في السوق الثانوية، بقيمة 1.12 مليار دولار في أيام قليلة، تعني أن شريحة معتبرة من المستثمرين القصيري الأجل قررت تقليص تعرضها لأدوات الدين الحكومية بدلاً من زيادته، رغم الفوائد المرتفعة وضخ الخطاب الرسمي المتكرر عن "استقرار" الجنيه ووفرة العملة الصعبة، وهو ما يحوّل ما قدّمته الحكومة باعتباره "تصويتاً بالثقة" في الدين المحلي إلى مصدر ضغط مباشر على العملة كلما تغيّرت توقعات هذه الأموال أو رأت فرصة أفضل في أسواق أخرى أو شعرت بارتفاع المخاطر السياسية والاقتصادية في الداخل.
جوهر المشكلة أن حكومة الانقلاب ربطت تمويل العجز واستقرار الجنيه بتدفقات استثمار أجنبي في أدوات الدين لا تملك أي التزام بالبقاء، فهذه الأموال تدخل بحثاً عن عائد مرتفع في لحظة ما، ثم تخرج بأحجام ضخمة في لحظة أخرى، فتفتح فجوة مفاجئة في سوق الصرف وتدفع البنوك إلى رفع الأسعار سريعاً، ما يجعل استقرار العملة رهينة مزاج مستثمر أجنبي لا مواطن منتج ولا قطاع تصديري قادر على توليد دخل دولاري مستدام يحصّن السوق من هذه الصدمات المتكررة.
أسعار متقاربة وجنيه على حافة 48 في كل البنوك
حركة البنوك في يوم واحد عكست ضغوطاً متزامنة؛ أعلى سعر لصرف الدولار ظهر في البنك التجاري الدولي وبنك الشركة المصرفية "سايب" وبنك قناة السويس وبنك نكست وبنك أبوظبي الإسلامي عند 47.87 جنيه للشراء مقابل 47.97 جنيه للبيع، بينما سجّل بنك الإمارات دبي الوطني أقل سعر بين البنوك عند 47.75 جنيه للشراء و47.85 جنيه للبيع، فيما اصطفّت بنوك الأهلي المصري ومصر وتنمية الصادرات وفيصل الإسلامي والعربي الأفريقي الدولي و"إتش إس بي سي" والقاهرة والتعمير والإسكان عند مستوى واحد تقريباً هو 47.85 جنيه للشراء و47.95 جنيه للبيع، على أن يعلن البنك المركزي نفسه سعراً قريباً للغاية عند 47.83 جنيه للشراء و47.97 جنيه للبيع، ما يكشف سوقاً رسمية متوترة وهوامش ضيقة بين مختلف اللاعبين، وجميعهم يقفون فعلياً على حافة اختراق حاجز 48 جنيهاً للدولار دون أن يجرؤ أحد على الإعلان الصريح عن ذلك في لوحات الأسعار حتى الآن.
تقارب هذه المستويات بين البنوك العامة والخاصة ومعها البنك المركزي يشي بمحاولة دفاع منسقة عن رقم نفسي أكثر منه اقتصادي، فالمعلن أقل بقروش من 48 جنيهاً بينما تعني تحركات ساعات التداول أن السوق مستعدة عملياً لتجاوزه عند أي موجة طلب إضافية أو خروج جديد للأموال الساخنة، لتتحول إدارة الملف النقدي إلى لعبة أرقام على الشاشات لا معالجة حقيقية لجذور الأزمة، في وقت يُترك فيه المواطن لمواجهة موجات تضخم جديدة مع كل قفزة للدولار، بينما تستمر حكومة الانقلاب في الإنكار والإصرار على أن ما يجري "تصحيح مؤقت" لا تعبير عن خلل هيكلي عميق في نموذج الديون وسعر الصرف.
من انتعاش 2025 على الورق إلى اختبار 2026 في الواقع
الجنيه المصري أنهى عام 2025 بأداء قوي على الورق، إذ حقق ارتفاعاً بلغ نحو 6.7% أمام الدولار منذ بداية العام، مستفيداً من قفزة قياسية في تحويلات المصريين العاملين بالخارج واستعادة قدر من السيولة في القطاع المصرفي، وقدّم الخطاب الرسمي هذا التحسن باعتباره دليلاً على نجاح "الإصلاح" وقدرة الحكومة على تثبيت العملة، لكن ما جرى في فبراير 2026 حين التهمت ضغوط أيام قليلة مكاسب عام كامل، يوضح أن هذا الصعود كان هشاً ومبنياً على تدفقات لا تملك ضمان الاستمرار، لا على قاعدة إنتاج وصادرات قادرة على تحمّل الصدمات وتغيير موازين العرض والطلب في سوق الصرف لصالح الجنيه بشكل فعلي.
الخبير المصرفي محمد عبد العال وصف 2026 بأنه "عام الاختبار الحقيقي للجنيه" بعد قرارات 2024 ومرحلة الاستقرار النسبي في 2025، وقدّر أن أداء الجنيه في العام الماضي تحسّن بنحو 6% لينهي 2025 حول 47.65 جنيهاً للدولار، لكنه وضع ثلاثة سيناريوهات مختلفة للعام الجديد: سيناريو أساسي يستقر فيه السعر بين 46 و50 جنيهاً، وسيناريو متفائل يصل فيه الجنيه إلى نطاق 44–48 جنيهاً، وسيناريو مخاطر يتراجع فيه إلى ما فوق 55 جنيهاً للدولار إذا تعرّض الاقتصاد لصدمات خارجية أو شهد خروجاً مفاجئاً للاستثمارات الأجنبية، ما يعني أن حتى التقديرات المتفائلة لدى خبير قريب من دوائر البنوك تعترف بأن استقرار الجنيه مشروط بعوامل خارجية هشة لا بسيادة حقيقية على القرار الاقتصادي.
على المستوى الدولي، يتوقع باسكال ديفو، كبير المحللين الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بنك "بي إن بي باريبا"، تراجعاً طفيفاً للجنيه في 2026 بنسبة تقل عن 5%، مستنداً إلى أن السيولة الدولارية ستظل متاحة لمصر لكن مع استمرار ضغوط أساسية على العملة، بينما يرى جيمس سوانستون، الخبير الاقتصادي لدى "كابيتال إيكونوميكس" للمنطقة نفسها، أن الجنيه قد يضعف بنحو 10% بنهاية 2026 ليتداول قرب 53 جنيهاً للدولار، وهو ما يعكس رؤية أكثر تشككاً في قدرة الحكومة على تثبيت العملة عند مستوياتها الحالية لفترة طويلة.
في المقابل، يقدّم هاني جنينة، رئيس قسم البحوث في "الأهلي فاروس"، سيناريو يفترض تحسناً نسبياً للجنيه إذا استمرت زيادة إيرادات قناة السويس والسياحة وتحسّن عجز ميزان المعاملات الجارية، مرجّحاً أن يدور سعر الصرف خلال 2026 بين 43 و47 جنيهاً للدولار في حالة نجاح هذه العوامل في تعويض الضغوط الأخرى على السوق، ما يعني أن حتى الرأي المتفائل داخلياً يبقى مشروطاً باستمرار تدفقات خارجية لا بسياسات إنتاجية أو صناعية تعيد هيكلة الاقتصاد من الداخل، وهو ما يضع حكومة الانقلاب أمام سؤال مباشر عن سبب الإصرار على نموذج هش يربط مصير الجنيه بالديون والأموال الساخنة والتحويلات، بدلاً من بناء قاعدة إنتاج وتصدير حقيقية تحمي العملة والناس في مواجهة كل صدمة جديدة.

