يتطلع السوريون إلى النهوض بالاقتصاد الوطني بما ينعكس بالإيجاب على حياتهم وأوضاعهم الحياتية والمعيشية، وإنهاء معاناة استمرت لنحو 14 عامًا، وأدت إلى تدمير البنية التحتية، وانهيار شبه كامل في القطاعات الإنتاجية.

 

وفيما تُقدر إجمالي الخسائر الاقتصادية التراكمية بنحو 800 مليار دولار وفقًا لتقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2025، جاء قرار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالتخفيف تدريجيًا من العقوبات الاقتصادية، ليمهد الطريق لبدء تدفق بعض الاستثمارات والمساعدات الخارجية.

 

حزمة تسهيلات قانونية وجمركية


وأقرت الحكومة السورية، حزمة تسهيلات قانونية وجمركية بهدف تنشيط الاستثمار الصناعي وتبسيط إجراءاته، في إطار مساع لإعادة تموضع القطاع الصناعي وتعزيز دوره في المرحلة المقبلة. 

 

وتشمل الإجراءات الجديدة تحديث الأنظمة الاستثمارية الخاصة بالمدن الصناعية، وتوسيع الضمانات القانونية، واعتماد آليات أكثر مرونة لحل النزاعات، بما يعزز ثقة المستثمرين ويحسن مناخ الأعمال.

 

كما تتضمن الخطوات المطروحة حوافز مالية وجمركية لدعم الإنتاج المحلي، وتسهيل تملك المقاسم الصناعية، واعتماد صيغ استثمار حديثة، إلى جانب تطوير البنية التحتية والخدمات الرقمية. 

 

وتأتي هذه الإجراءات ضمن توجه أوسع نحو تعزيز تنافسية الصناعة الوطنية، وجذب استثمارات جديدة تسهم في خلق فرص عمل ودفع عجلة النمو الاقتصادي.

 

نقلة نوعية في بيئة الاستثمار الصناعي


وكشف مؤيد البنا، مدير المدن الصناعية في وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، عن إجراءات جديدة لإحداث نقلة نوعية في بيئة الاستثمار الصناعي، تقوم على تبسيط الإجراءات وتعزيز الضمانات القانونية وتقديم حوافز مالية وجمركية، بما يسهم في إعادة تموضع سوريا على خارطة الاستثمار الصناعي في المنطقة.

 

وأضاف في تصريحات إلى وكالة الأنباء القطرية (قنا)، أن وزارة الاقتصاد والصناعة أصدرت نظام استثمار خاصًا بالمدن الصناعية بموجب القرار رقم 432، يتضمن 26 مادة تهدف إلى تسهيل العملية الاستثمارية وتعزيز الثقة بالبيئة القانونية.

 

ومن أبرز الإجراءات التي تم إقرارها اعتماد التحكيم كآلية لحل النزاعات بين المستثمر والدولة، مع منح المستثمر حق اختيار المحكم، سواءً كان محليًا أو دوليًا، بما يختصر زمن التقاضي ويمنح المستثمرين ضمانات إضافية.

 

تملك أراضٍ صناعية بالتقسيط

 

وأوضح أن النظام الجديد يتيح للمستثمرين تملك المقاسم الصناعية بالتقسيط لمدة خمس سنوات وبأسعار تنافسية إقليميًا، حيث يبلغ سعر المتر المربع نحو 30 دولارًا في مدينة حسياء الصناعية، و35 دولارًا في مدينتي الشيخ نجار بحلب وعدرا بريف دمشق.

 

إلى جانب اعتماد صيغ استثمار حديثة، مثل الشراكة بين القطاعين العام والخاص ونظام البناء والتشغيل ونقل الملكية، فضلاً عن تطبيق مبدأ النافذة الواحدة لإنجاز المعاملات الاستثمارية.

 

وأشار إلى إعادة هيكلة السياسات الجمركية لدعم الإنتاج المحلي من خلال إعفاء خطوط الإنتاج المستوردة من الرسوم الجمركية بالكامل، وتخفيض الرسوم على عدد من المواد الأولية إلى مستويات متدنية وصلت في بعض الحالات إلى الصفر، بالتوازي مع فرض رسوم على بعض المنتجات نصف المصنعة والحد من استيراد بعض السلع النهائية؛ بهدف تشجيع التصنيع المحلي.

 

العناقيد الصناعية


وبين أن المدن الصناعية السورية تعتمد مبدأ العناقيد الصناعية، الذي يسمح بوجود الصناعات الرئيسية والمكملة ضمن نطاق جغرافي واحد، مما يحقق التكامل الإنتاجي ويخفض التكاليف، بالتوازي مع العمل على تطوير منصات إلكترونية تتيح للمستثمرين اختيار المقاسم ومتابعة إجراءاتهم رقميًا.

 

وأكد البنا أن الجهات المعنية اطلعت على تجارب دولية متقدمة في إدارة المدن الصناعية، بما فيها التجربة في دولة قطر، مشيرًا إلى العمل على ترتيب زيارة إلى مدينة مسيعيد الصناعية، للاطلاع على آليات إدارتها وبحث فرص التعاون مع الجهات القطرية المختصة.

 

11 ألف مستثمر


وكشف أن عدد المستثمرين في المدن الصناعية السورية يبلغ نحو 11 ألف مستثمر، بينهم قرابة 294 مستثمرًا أجنبيًا، معربًا عن تطلع بلاده إلى زيادة هذا العدد خلال المرحلة المقبلة، في ظل الاهتمام المتزايد من مستثمرين عرب ودوليين.

 

ولفت إلى المصادقة مؤخرًا على إنشاء ثلاث مدن صناعية جديدة في إدلب وحماة ودرعا، إلى جانب مدينتين إضافيتين في ريف إدلب وريف حلب الشمالي، مما سيرفع العدد الإجمالي إلى تسع مدن صناعية بحلول نهاية عام 2026، بالتوازي مع تطوير البنية التحتية للمدن القائمة.

 

اقتصاد السوق الحر


من جانبه، أكد الدكتور مازن ديروان، رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية أن الإصلاحات المطبقة في المدن الصناعية تمثل جزءًا من تحول اقتصادي شامل باتجاه اقتصاد السوق الحر، معتبرًا أن هذه الخطوات تشكل تحولا جذريا في بنية الاقتصاد السوري.

 

وقال: إن أي خطوة باتجاه تسهيل بيئة العمل وتحرير الصناعة من القيود البيروقراطية وتسهيل وصولها إلى مصادر الطاقة والموانئ، سيكون لها تأثير إيجابي كبير على توسع الصناعة السورية وانتشارها عالمياً.

 

وأوضح أن المدن الصناعية توفر بيئة متكاملة للمستثمرين من حيث توفر الخدمات الأساسية، مثل الطاقة والبنية التحتية والصرف الصناعي، ما يجعلها أكثر قدرة على جذب الاستثمارات الجديدة، ويسهم في خلق فرص عمل جديدة والحد من البطالة، الأمر الذي ينعكس بدوره على زيادة الصادرات وتحقيق النمو الاقتصادي.

 

وأشار إلى أن السياسات الاستثمارية السورية الجديدة تعد من أكثر السياسات مرونة، إذ تسمح للمستثمر غير السوري بامتلاك كامل أصول مشروعه، مع إمكانية تحويل نسبة كبيرة من الأرباح، معتبرًا أن هذه الإجراءات تجعل البيئة الاستثمارية السورية أكثر جاذبية مقارنة بالعديد من الدول.

 

تبسيط إجراءات التراخيص الصناعية


وأضاف أن وزارة الاقتصاد والصناعة تعمل على تبسيط إجراءات التراخيص الصناعية، معربًا عن أمله في الوصول إلى مستويات أعلى من المرونة الإجرائية، بما يسهل إطلاق المشاريع الصناعية الجديدة.

 

وأكد أن انخفاض تكاليف العمالة السورية حاليًا يمثل فرصة مهمة للمستثمرين؛ نظرًا لما يتمتع به العامل السوري من خبرة وكفاءة، مما يجعل الاستثمار الصناعي في سوريا أكثر تنافسية على المستوى الدولي.

 

وأشار إلى أن الصناعات النسيجية والغذائية تمثلان ركيزتين أساسيتين للصناعة السورية؛ نظرًا لتوافر المواد الأولية محليًا ووجود خبرات متراكمة فيهما، مما يعزز فرص تطويرهما وزيادة مساهمتهما في الاقتصاد الوطني.

 

وشدد على أن القوانين الاستثمارية والضريبية الجديدة أصبحت أكثر صداقة للمستثمرين، ما يمنحهم فرصًا كبيرة للاستفادة من مرحلة إعادة الإعمار والنمو الاقتصادي.

 

وأكد أن الاستقرار الأمني والسياسي في سوريا يشهد تحسنًا تدريجيًا، داعيًا المستثمرين إلى زيارة البلاد والاطلاع على الفرص المتاحة فيها بشكل مباشر.