أعادت رسالة جمعية خبراء الضرائب المصرية إلى وزير المالية أحمد كجوك، بعد تجديد الثقة فيه، فتح ملف السياسة الضريبية لحكومة السيسي، وسط اتهامات متزايدة بأنها تعتمد على تعظيم الحصيلة بأي ثمن، مع إهمال العدالة الاجتماعية، وتحميل العبء الأكبر للطبقات المتوسطة والأقل دخلا، رغم وصول الحصيلة الضريبية في موازنة 2024–2025 إلى نحو 2.2 تريليون جنيه، بنسبة نمو تقارب 35%، كما تشير الجمعية، بما يطرح سؤالا مباشرا عن جدوى هذا التوسع في الجباية إذا كان الممولون يطالبون اليوم بتيسير لا تشديد.
حصيلة 2.2 تريليون جنيه.. توسع في الضرائب غير المباشرة على حساب العدالة
جمعية خبراء الضرائب ربطت بين قفزة الحصيلة الضريبية إلى نحو 2.2 تريليون جنيه في عام 2024–2025، ونسبة نمو 35%، وبين ما وصفته بسياسات ضغط متزايد على الممولين، مطالبة بالانتقال من منطق تعظيم الحصيلة إلى منطق التيسير والتحفيز، حتى لا يتحول النظام الضريبي إلى أداة إضافية لتغذية التضخم وإضعاف الاستثمار، في اقتصاد يعاني أصلا من تباطؤ نمو الدخل الحقيقي وارتفاع كلفة التمويل والإنتاج.
البيان ركز على أن قانون ضريبة القيمة المضافة الصادر عام 2016 ظل عشرة أعوام دون تعديل لحد التسجيل البالغ 500 ألف جنيه، رغم تغيرات سعر الصرف وقفزات التضخم، في وقت توضح فيه أوراق رسمية واستشارية أن الضريبة على القيمة المضافة أصبحت تمثل نسبة كبيرة من الحصيلة الضريبية المصرية، مع حد تسجيل إلزامي عند 500,000 جنيه سنويا لأي تاجر أو مقدم خدمة، بما يوسع دائرة الخضوع الإجباري لتجار صغار ومتوسطين.
الخبيرة الاقتصادية سلمى حسين تشير في تحليل سابق حول العدالة الضريبية إلى أن ثقل النظام الضريبي في مصر يميل بوضوح لصالح الضرائب غير المباشرة، حيث تشكل ضرائب السلع والخدمات والقيمة المضافة قرابة نصف الحصيلة الضريبية في بعض السنوات، ما يعني أن المستهلك النهائي، وخاصة محدود الدخل، هو من يدفع الفاتورة الأكبر، بينما تستفيد شرائح أعلى دخلا من إعفاءات أو معدلات منخفضة على الدخول والثروات.
إلهامي الميرغني، الخبير الاقتصادي، يوثّق في مراجعة لموازنة سابقة أن ضرائب الدخول والأرباح الرأسمالية بلغت نحو 351.6 مليار جنيه فقط، مقابل حوالي 469.6 مليار جنيه من الضرائب غير المباشرة، منها 221.3 مليار ضريبة قيمة مضافة و67 مليار ضريبة على الخدمات، وهو ما يعكس انحيازا بنيويا لاستخدام أوعية أسهل في التحصيل، حتى لو كانت أقل عدالة اجتماعيا، ما يجعل توسع الحصيلة في السنوات الأخيرة امتدادا لنمط قديم وليس إصلاحا حقيقيا.
دراسة حديثة صادرة عن مركز دراسات مصري تشير أيضا إلى أن حصة الضرائب غير المباشرة من إجمالي الإيرادات الضريبية بلغت قرابة 48.8% في 2022–2023، وهي أعلى بكثير من متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD، الذي يدور حول 31.5%، ما يعني أن مصر تتحرك عكس الاتجاه العالمي الذي يميل لتعزيز الضرائب المباشرة على الدخول والثروات حين تسعى الحكومات إلى عدالة أكبر في توزيع الأعباء.
زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء الأسبق وأستاذ الاقتصاد، يذكّر في أكثر من مناسبة بأن الضرائب «أساس الإدارة الاقتصادية ومفتاح بناء الثقة بين الدولة والمجتمع»، لكنه يحذّر في الوقت نفسه من أن التوسع في الضرائب غير المباشرة دون إصلاح شامل للهياكل والقواعد يضعف هذه الثقة، لأن المواطن يرى الدولة تحصل المزيد من الضرائب بينما لا يعكس ذلك تحسنا موازيا في جودة الخدمات أو عدالة توزيع العبء.
7 مطالب من خبراء الضرائب.. اختبار لقدرة الحكومة على تغيير منهج الجباية
في هذا السياق، قدّمت جمعية خبراء الضرائب المصرية «روشتة» من 7 مطالب تعتبرها شرطا لتخفيف الأعباء عن الممولين، وتشجيع الاستثمار، وزيادة معدلات الامتثال الطوعي، على رأسها رفع حد التسجيل في ضريبة القيمة المضافة من 500 ألف جنيه إلى 3 ملايين جنيه، بعد عشر سنوات من الجمود التشريعي رغم تضاعف الأسعار وتغير قيمة الجنيه، بما يعني أن الحد القائم لم يعد يعكس الواقع الاقتصادي، ويدفع صغار التجار والحرفيين إلى تحمل أعباء إدارية ومالية لا تتناسب مع حجم نشاطهم الفعلي.
أشرف عبد الغني، مؤسس الجمعية، يوضح أن رفع حد التسجيل في القيمة المضافة إلى 3 ملايين جنيه سيُخرج عددا كبيرا من المشروعات الصغيرة جدا من عبء التسجيل والإقرارات والغرامات، ما يقلل الاحتكاك اليومي بين الممول الصغير ومصلحة الضرائب، ويتيح توجيه الجهد الرقابي نحو كيانات أكبر حجما، مؤكدا أن الإبقاء على حد 500 ألف جنيه بعد عقد كامل من التضخم وتدهور سعر الصرف يعني عمليا توسيع قاعدة الخضوع في القاع، بدلا من تحسين كفاءة التحصيل في القمة.
المطلب الثاني يركز على رفع الحد الأقصى لاستفادة المشروعات الصغيرة من التسهيلات الضريبية من 20 إلى 30 مليون جنيه، استجابة لارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار السلع والخدمات خلال السنوات الأخيرة، إذ ترى الجمعية أن الإبقاء على السقف الحالي يعني إخراج مشروعات متوسطة الحجم نسبيا من مظلة المعاملة المبسطة، رغم أن هامش ربحها تآكل بفعل التضخم، ما يحد من قدرتها على التوسع أو الحفاظ على العمالة القائمة، في وقت تعلن فيه الحكومة أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة أحد محاور استراتيجيتها الاقتصادية.
المطلب الثالث يتناول طريقة احتساب «المساهمة التكافلية»، حيث تطالب الجمعية بأن تُحسب على صافي الأرباح لا على إجمالي الإيرادات، باعتبار أن فرضها على رقم الإيراد الإجمالي يتجاهل فروق الهوامش بين الأنشطة المختلفة، ويعاقب القطاعات ذات هوامش الربح المحدودة، ويخلق حالات يدفع فيها ممول مساهمة تكافلية رغم تحقيقه أرباحا ضعيفة أو حتى خسائر محاسبية، بما يتعارض مع مفهوم العدالة الضريبية التي تربط الالتزام الضريبي بالقدرة الفعلية على الدفع، وليس بحجم المبيعات فقط.
أما المطلب الرابع فيرتبط بإلغاء ضريبة توزيعات الأرباح لتشجيع الاستثمار ومنع الازدواج الضريبي؛ فالأرباح نفسها تكون قد خضعت لضريبة الشركات عند تحققها، ثم تُفرض ضريبة جديدة عند توزيعها على المساهمين، ما يرفع الكلفة الضريبية على الاستثمار المنتج، ويدفع بعض المستثمرين إلى تفضيل أدوات مالية بديلة أو خروج جزء من رؤوس الأموال إلى أسواق أخرى أقل تشددا، في وقت تحتاج فيه مصر لجذب استثمارات طويلة الأجل وليس مجرد تدفقات قصيرة تبحث عن عائد سريع في أدوات الدين.
المطلب الخامس يتعلق بزيادة قيمة الإعفاء الشخصي ورفع حد الشريحة المعفاة من ضريبة الدخل للأفراد، لمواجهة التآكل المستمر في القوة الشرائية للأجور تحت ضغط التضخم، حيث ترى الجمعية أن إبقاء حدود الإعفاء القديمة يعني أن موظفا أو عاملا لم يتحسن دخله الحقيقي منذ سنوات يجد نفسه يدفع ضريبة أعلى لمجرد ارتفاع اسمي في الأجر لتعويض الغلاء، وهو ما يخلق إحساسا بأن النظام الضريبي يعمل عكس مبدأ «القدرة على الدفع» الذي يفترض أن يحكم ضرائب الدخل.
المطلب السادس يطالب بالتجاوز عن الغرامات ومقابل التأخير والضريبة الإضافية، لإغلاق ملفات النزاعات المتراكمة وبدء صفحة جديدة بين الممولين ومصلحة الضرائب، إذ ترى الجمعية أن الإصرار على تحصيل غرامات تأخير كبيرة في بيئة شهدت تغيرات تشريعية متلاحقة وإدخال أنظمة إلكترونية جديدة يفاقم شعور الممول بعدم الاستقرار، بينما يمكن لعفو منظم عن الغرامات، مقابل سداد أصل الضريبة، أن يحقق حصيلة فورية أكبر، ويشجع على الامتثال في المستقبل.
المطلب السابع والأخير يدعو إلى إعفاء السكن الخاص من الضريبة العقارية بصورة صريحة، باعتباره حقا إنسانيا ودستوريا، وليس وعاء للجباية، حيث ترى الجمعية أن فرض ضريبة على المسكن الرئيسي في ظل ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف المعيشة يضيف عبئا جديدا على الأسر متوسطة الدخل، في الوقت الذي يمكن فيه توجيه الضرائب العقارية نحو العقارات الاستثمارية والفاخرة متعددة الوحدات، بما يحقق عائدا معقولا دون المساس بالحق الأساسي في السكن.
نظام ضريبي يوسع الفقر ويطرد الاستثمار.. خبراء: الحكومة تستسهل جباية الفقراء
إلى جانب مطالب جمعية خبراء الضرائب، يربط خبراء الاقتصاد بين بنية النظام الضريبي الحالي والسياسات الأوسع لحكومة السيسي، التي تعتمد على الضرائب غير المباشرة كأداة رئيسية لتقليص عجز الموازنة، بدلا من بناء قدرة مؤسسية حقيقية على تحصيل ضرائب مباشرة عادلة على الدخول والثروات الكبيرة، وهي سياسة يعتبرها كثيرون أسهل سياسيا لكنها أشد قسوة اجتماعيا، لأنها تنقل العبء إلى جمهور المستهلكين الذين لا يملكون القدرة على التهرب أو التفاوض.
سلمى حسين تصف هذا النهج بأنه «اختيار متعمد للضريبة الأسهل في جمعها والأصعب في التهرب منها»، موضحة أن الحكومة بدلا من تشديد الضرائب التصاعدية على الثروات والممتلكات الضخمة، توسع الإعفاءات والحوافز لهذه الشرائح بدعوى تشجيع الاستثمار، بينما تعتمد على ضرائب على الاستهلاك والاتصالات وبعض الخدمات الأساسية، ما يجعل محدودي الدخل ممولا رئيسيا للموازنة العامة رغم أنهم الأقل استفادة من الإنفاق العام، وهو ما يفاقم شعور الظلم الضريبي.
عمرو عدلي يشير إلى أن الصعوبة التاريخية في تحصيل ضرائب مباشرة فعالة في مصر تحوّلت إلى ذريعة لتكريس الاعتماد على الضرائب غير المباشرة، مع أن التجارب الدولية تظهر إمكانية تصميم نظم تصاعدية فعالة حين تتوفر الإرادة السياسية، موضحا أن استمرار هذا النمط يعني أن كل زيادة معلنة في الحصيلة الضريبية، مثل قفزة 2.2 تريليون جنيه في العام المالي الأخير، تُقرأ من قبل الجمهور باعتبارها «مزيدا من الضغط على الاستهلاك»، لا كجزء من صفقة اجتماعية متوازنة بين الدولة والمجتمع.
إلهامي الميرغني يربط بين ارتفاع الحصيلة من الضرائب غير المباشرة وبين صعود معدلات الفقر والضغط على الطلب المحلي، موضحا أن الأسر الفقيرة والمتوسطة تلجأ إلى خفض استهلاكها في مواجهة ارتفاع أسعار السلع والخدمات المرتبطة بالقيمة المضافة ورسوم أخرى، ما يضرب النشاط الاقتصادي الحقيقي، ويحد من قدرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة على التوسع والتوظيف، في وقت تعتمد فيه الحكومة خطابا معلنا عن دعم هذه المشروعات، بينما يمارس النظام الضريبي ضغطا عكسيا عليها.
في المقابل، يرى زياد بهاء الدين أن الاستجابة لمطالب مثل رفع حد التسجيل في القيمة المضافة، وتوسيع نطاق التيسيرات للمشروعات الصغيرة، وإعادة النظر في ضريبة توزيعات الأرباح، وزيادة الإعفاءات الشخصية، يمكن أن تمثل خطوة أولى لإعادة بناء الثقة في السياسة الضريبية، مشددا على أن أي حديث حكومي عن جذب استثمار وتحفيز القطاع الخاص يفقد مصداقيته إذا استمر الاعتماد على توسيع الجباية من أسفل، بينما تبقى إصلاحات العدالة الضريبية المؤلمة سياسيا مؤجلة بلا أفق واضح.
بهذا، تكشف مطالب جمعية خبراء الضرائب والصوت المرتفع لعدد من الاقتصاديين أن أزمة النظام الضريبي في مصر لم تعد فنية أو تقنية فقط، بل أصبحت اختبارا لمدى استعداد الحكومة للاعتراف بأن تعظيم الحصيلة وحده لا يحل مشكلات الاقتصاد، وأن استمرار تحميل الفئات الأضعف عبء الضرائب غير المباشرة، مع إبقاء ثغرات واسعة في ضرائب الدخل والثروة، يعني ببساطة إعادة إنتاج دائرة الفقر وعدم المساواة، حتى لو سجلت الموازنة أرقاما قياسية في بند «الإيرادات الضريبية».

