أعاد السياسي وعضو مجلس النواب السابق طلعت خليل ملف أصحاب المعاشات إلى الواجهة، بعد منشور على صفحته في فيسبوك علّق فيه على ما نُسب إلى سيدة مسنّة قالت إنها كانت تعمل مهندسة بهيئة الطاقة النووية، واشتكت من تدهور أوضاعها بعد الخروج على المعاش، معتبراً أن قصتها ليست حالة فردية بل نموذج لشريحة واسعة من المتقاعدين الذين يواجهون معاشات ضعيفة، ورعاية صحية محدودة، وتشريعات لا تراعي احتياجاتهم في السكن والحياة اليومية في ظل موجات الغلاء المتتابعة.
حكاية مهندسة نووية تكشف واقع أصحاب المعاشات وضغط الغلاء
يشير منشور طلعت خليل إلى أن معاناة المهندسة السابقة ليست استثناء، بل تعكس واقع كثيرين أنهوا سنوات خدمتهم في قطاعات حيوية ثم وجدوا أنفسهم أمام معاش لا يغطي التزاماتهم الأساسية، مع تراجع مستوى الرعاية الصحية الحكومية، وازدياد كلفة الدواء والعلاج، وهو ما يضاعف هشاشة كبار السن، خصوصاً من عملوا في وظائف فنية وعلمية عالية الكفاءة ثم انتهى بهم الأمر في دائرة العوز أو الاعتماد الكامل على دعم الأبناء والأقارب.
بيانات صحفية وتقارير حقوقية حديثة تؤكد هذا الاتجاه، إذ تشير تقديرات إلى أن نحو 11.5 million من أصحاب المعاشات في مصر يعانون أوضاعاً معيشية صعبة، وأن قيمة معظم المعاشات تتراوح بين 1500 و3000 جنيه، وهي مبالغ تقل كثيراً عن الحد الأدنى الرسمي للأجور البالغ 7000 جنيه، في وقت يلتهم فيه التضخم الجزء الأكبر من هذه الدخول المحدودة ويترك أصحابها تحت ضغط دائم بين كلفة الغذاء والدواء والإيجار.
في هذا السياق، يلفت خبير التأمينات الاجتماعية والمعاشات كامل السيد إلى أن أصحاب المعاشات والمسنين يواجهون تحديات حقيقية رغم صدور قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 وقانون رعاية حقوق المسنين رقم 19 لسنة 2024، موضحاً أن النصوص تبدو داعمة على الورق، لكن التنفيذ العملي لم يصل بعد إلى مستوى يوفر حماية كافية لهذه الفئة في ظل موجات الغلاء المتتالية.
وتذهب ورقة بحثية صادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في مايو 2024 إلى أن زيادات المعاشات ورفع الحد الأدنى إلى 1300 جنيه ساهمت في تخفيف جزئي للأزمة، لكنها تبقى بعيدة عن تعويض أثر تضخم تجاوز 31%، خاصة مع وضع سقف 15% للزيادة السنوية في قانون التأمينات، ما يعني عملياً أن أصحاب المعاشات يخسرون جزءاً من قدرتهم الشرائية عاماً بعد آخر رغم الزيادات الدورية.
قانون الإيجار الجديد بين ضمانات الورق وقلق المتقاعدين على السكن
طلعت خليل ربط في منشوره بين هشاشة نظم المعاشات وتأثير قانون الإيجار الجديد على كبار السن، معتبراً أن التعديلات الأخيرة على قانون الإيجار القديم لم تضع بالقدر الكافي في الاعتبار أوضاع المتقاعدين الاقتصادية بعد التقاعد، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة تدبير نفقات السكن، وأن أي زيادة كبيرة في الأجرة أو تهديد بالإخلاء تمثل ضربة مضاعفة لشريحة تعتمد على دخل ثابت محدود، ولا تملك غالباً خيار الانتقال إلى مساكن بديلة بسهولة.
التقارير الصحفية حول القانون رقم 164 لسنة 2025 الخاص بتعديلات الإيجار القديم تشير إلى فترة انتقالية مدتها 7 سنوات لإنهاء عقود الإيجار السكنية القديمة، مع الحديث عن “شبكة أمان” اجتماعية لكبار السن وأصحاب المعاشات، تتضمن أولوية في الحصول على وحدات بديلة أو دعم سكني، لكن تفاصيل التطبيق العملي ما زالت تثير قلقاً واسعاً، خصوصاً لدى الأسر التي ارتبطت لعقود بشقق مؤجرة في أحياء مركزية ولا تملك قدرة مالية على شراء مسكن جديد أو تحمل إيجار سوقي مرتفع.
رئيس الوزراء مصطفى مدبولي تحدث في أكثر من مناسبة عن أن تعديلات الإيجار القديم “معقدة وحساسة”، مؤكداً أن الدولة لن تترك كبار السن ومنخفضي الدخل دون بدائل، وأن هناك التزاماً بتوفير وحدات بديلة قبل الإخلاء في الحالات المستحقة، غير أن غياب آليات واضحة وسريعة للتنفيذ، في نظر منتقدين، يجعل هذه الوعود غير كافية لطمأنة متقاعدين يخشون أن يجدوا أنفسهم في مواجهة قرارات إخلاء دون بديل فعلي أو بدعم لا يغطي الفجوة بين الإيجار القديم والجديد.
الخبير الاقتصادي د. فرج عبد الله يرى أن حماية أصحاب المعاشات لا يمكن أن تُختزل في زيادة نقدية فقط، موضحاً أن الحماية الاجتماعية تقوم على شقين؛ نقدي وخدمي، يشمل الرعاية الصحية والسكن والنقل، ويشير إلى أن أي سياسة جادة تجاه كبار السن يجب أن تربط بين المعاش النقدي وضمانات الاستقرار في المسكن والعلاج، لأن جزءاً كبيراً من أي معاش يُنفق عملياً على الغذاء والدواء، ما يترك هامشاً محدوداً للغاية لتحمل تكاليف سكن أعلى.
تفاعل إلكتروني واسع ومطالب بإصلاح شامل لسياسات المعاشات والرعاية
منشور طلعت خليل أثار تفاعلاً ملحوظاً على مواقع التواصل، حيث عبّر كثير من المعلقين عن تضامنهم مع المهندسة السابقة وغيرها من أصحاب المعاشات، وطالبوا برفع الحد الأدنى للمعاشات إلى مستوى قريب من الحد الأدنى للأجور، وتوسيع برامج الحماية الصحية لكبار السن، وتبسيط إجراءات استفادتهم من التأمين الصحي، إلى جانب مراجعة قانون الإيجار بما يقلل من مخاطر تشريد المتقاعدين أو دفعهم للانتقال إلى مساكن أقل جودة وبعيدة عن شبكات الخدمات.
بعض التعليقات ركزت على أن المشكلة لم تعد في “حالات فردية مؤثرة”، بل في نمط متكرر لقصص متقاعدين كانوا يشغلون وظائف علمية أو فنية متقدمة، ثم يكتشفون بعد التقاعد أن معاشهم لا يغطي أبسط الاحتياجات، وأن أي ارتفاع إضافي في أسعار الدواء أو الإيجار يدفعهم إلى الاستدانة أو الاعتماد الكامل على دعم الأبناء، بما يخلق فجوة بين خطاب رسمي يتحدث عن “تكريم من أفنوا أعمارهم في العمل” وواقع معيشي ضاغط.
الخبير الاقتصادي د. أحمد خطاب يرى أن زيادات الأجور والمعاشات في الأعوام الأخيرة تعكس إدراك الدولة لحجم الضغوط المعيشية، لكنها تظل مرتبطة بإمكانات الموازنة العامة، ويحذر من أن استمرار التضخم بمستويات مرتفعة يعني أن أثر هذه الزيادات يتآكل سريعاً، ما يستدعي – من وجهة نظره – مراجعة أوسع لبرامج الحماية الاجتماعية، وربطها بشكل أوضح بتكلفة الحياة الفعلية للفئات الأضعف، وفي مقدمتهم أصحاب المعاشات.
وتشير دراسة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن قانون التأمينات الاجتماعية الحالي يعيد صياغة فلسفة النظام عبر ربط الزيادة السنوية بالحد الأقصى 15%، في بلد يعاني تضخماً متكرراً يفوق هذا الحد، ما يجعل كبار السن أكثر عرضة للتآكل التدريجي في مستوى معيشتهم، رغم كل ما يُعلن من زيادات استثنائية ومنح لمواجهة الغلاء، وهو ما ينسجم مع تحذيرات خبراء التأمينات من أن الفجوة بين النص القانوني وواقع أصحاب المعاشات تتسع بدلاً من أن تضيق.
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم يصدر تعليق رسمي محدد على قصة المهندسة أو على منشور طلعت خليل، بينما تستمر النقاشات المجتمعية حول سبل تحسين أوضاع أصحاب المعاشات وضمان حياة كريمة لهم بعد التقاعد، بين من يطالب بتعديلات تشريعية عميقة في قوانين التأمينات والإيجار، ومن يرى أن البدء يجب أن يكون من تنفيذ جاد لما هو قائم بالفعل، بحيث لا تبقى كرامة المتقاعد مرهونة بفجوة بين وعود السياسة وواقع المعاش وسعر الدواء والإيجار.

