بعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام ضمن التعديل الوزاري الأخير، تحركت الحكومة بسرعة لنقل 40 شركة مملوكة للدولة إلى الصندوق السيادي، مع قيد 20 شركة أخرى في البورصة. القرار طُرح باعتباره إعادة ترتيب لإدارة الأصول. لكنه أشعل جدلًا حول ما إذا كانت الخطوة تمهيدًا لموجة تخارج أوسع، خصوصًا مع حضور الصناديق الخليجية في صفقات سابقة، وتزامن الملف مع مراجعة جديدة لصندوق النقد الدولي.
نقل الشركات للصندوق السيادي: مرونة أعلى.. وحساسية أكبر
القرار أُعلن خلال اجتماع برئاسة مصطفى مدبولي، وبحضور حسين عيسى نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وهاشم السيد الرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة. الحكومة تصف المسار بأنه “تعظيم العائد من الأصول” ورفع كفاءة الإدارة وتحفيز القطاع الخاص. لكن جوهر التحول أن الإدارة تنتقل من جهاز بيروقراطي إلى ذراع استثماري. هذه النقلة تمنح مرونة أوسع في الشراكات وبيع الحصص، مقارنة بما كان يحدث تحت إشراف وزارة متخصصة.
في هذا الإطار، يقدّم هاشم السيد الرقم الأكثر دلالة: تجهيز 60 شركة ضمن المسار الجديد، منها 40 للصندوق السيادي و20 للقيد في البورصة. هذا الإعلان يضع خطوطًا عملية أمام السوق: هناك “قائمة” تتحرك. وهناك جدول تجهيز.
ومن زاوية الحكومة، يظهر مدبولي نفسه كصوت دفاعي أمام اتهامات “التصفية”. في تصريحات لاحقة، تحدث عن إصلاح الهيئات الاقتصادية وتطويرها، وربط ذلك مباشرة بملف الشركات المملوكة للدولة، ما يعني أن القرار ليس معزولًا بل جزء من حزمة أكبر لإعادة رسم دور الدولة.
“لماذا الآن؟” سؤال صندوق النقد حاضر في الخلفية
توقيت التحرك يتقاطع مع سياق اقتصادي ضاغط. مصر تحت مراجعة جديدة من صندوق النقد الدولي، مع احتياجات متزايدة للنقد الأجنبي وضغوط على المالية العامة. هنا يصبح نقل الأصول للصندوق السيادي وقيد شركات في البورصة خطوة وظيفية: تجهيز الشركات للشراكات أو الطروحات أو التخارج الجزئي، بدل بقائها في إدارة تقليدية بطيئة. هذا يفسر لماذا خرج القرار الآن، ولماذا جاء بصيغة “إجراءات نقل” لا “دراسة نقل”.
وفي موازاة ذلك، عقد مدبولي اجتماعًا مع وزير المالية أحمد كجوك لمتابعة ملف التعاون مع صندوق النقد، بما يشمل المالية العامة وإدارة الدين وتدفقات النقد الأجنبي وتوسيع القاعدة الضريبية وإدارة المخاطر. الربط الزمني بين الاجتماعين يضيف طبقة من الضغط السياسي والاقتصادي: الدولة تُعيد ترتيب الأصول بالتزامن مع تفاوض وتمويل.
أما محمد الحمصاني، المتحدث باسم رئاسة مجلس الوزراء، فقدم الإطار التنفيذي: “تنظيم وضع” الشركات بعد إلغاء الوزارة، وآليات التعامل مع الشركات التي كانت تتبعها. هذا الخطاب يهدف لخفض القلق العام. لكنه لا يجيب وحده عن سؤال البيع من عدمه.
146 شركة وخرائط جديدة: خصخصة مقنّعة أم إعادة تنظيم اضطرارية؟
الاجتماع ناقش مصير 146 شركة عامة كانت تتبع وزارة قطاع الأعمال، تعمل في الصناعة والتجارة والسياحة والتشييد. وجرى الاتجاه إلى نقل تبعيتها بين الصندوق السيادي وبعض الوزارات، مع إسناد المتابعة لحسين عيسى. هذه ليست حركة فنية صغيرة. إنها إعادة توزيع ملكية وإشراف على نطاق واسع.
وبالتوازي، هناك خطة لإعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية: تصفية 4 هيئات، ودمج 7، وتحويل 9 إلى هيئات خدمية، والإبقاء على 39 مع اشتراط رفع كفاءتها المالية. هذه الأرقام تعني أن الدولة لا تعيد ترتيب “الشركات” فقط، بل تعيد ترتيب “اللاعبين” الذين يشرفون على النشاط الاقتصادي أصلًا.
هنا يتصاعد سؤال “هل هي خصخصة مقنّعة؟”. خبراء يرون أن الانتقال من نموذج “الدولة المشغّلة” إلى “الدولة المالكة والمُخارجِة تدريجيًا” يصبح أسهل عبر الصندوق السيادي، بحكم طبيعته الاستثمارية. كما أن قيد 20 شركة في البورصة يفتح الباب للطروحات العامة أو الخاصة، للمستثمر المحلي أو الأجنبي، بما قد يعني توسيع قاعدة الملكية أو تسييل حصص لتوفير سيولة.
الحكومة تسميه “إصلاحًا هيكليًا”. منتقدون يقرأونه كاستجابة لحاجة سيولة تحت ضغط الدين الخارجي واستحقاقاته. الفارق بين الروايتين سيحسمه التطبيق: نوع الشركات المختارة، نسبة الطرح، وهوية المستثمرين، وشروط الحوكمة بعد النقل والقيد.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل هي إعادة تنظيم رشيدة لأصول الدولة، أم بداية مرحلة بيع واسعة لما تبقى من الشركات العامة؟ الإجابة لن تأتي في البيانات، بل مع أول صفقة أو طرح يخرج إلى النور خلال الأشهر المقبلة.

