أصدرت مؤسسة «هيومينا» الحقوقية تقريرًا مطولًا يرصد مسار تقييد الحريات العامة في مصر منذ عام 2013 وحتى نهاية 2025، مقدّمًا قراءة توثيقية وتحليلية شاملة للتغيرات التي طرأت على الفضاء المدني خلال أكثر من عقد.

 

ويرى التقرير أن ما شهدته البلاد لم يكن نتيجة قرارات متفرقة أو أحداث منفصلة، بل عملية تراكمية أعادت تشكيل شروط المشاركة العامة تدريجيًا، عبر سياسات متشابكة أثّرت في مختلف جوانب الحياة السياسية والمدنية.

 

ويذهب التقرير إلى أن فهم وضع الفضاء المدني في مصر خلال هذه السنوات يتطلب النظر إلى شبكة من العوامل القانونية والمؤسسية والأمنية والإدارية والرقمية، باعتبارها منظومة متكاملة أعادت تعريف حدود العمل العام، ورفعت كلفة المشاركة السياسية والاجتماعية إلى مستويات غير مسبوقة.

 

الفضاء المدني بين القيود القانونية والرقمية

 

ينطلق التقرير من فرضية أساسية مفادها أن تقييد الحقوق لا يطال فئات بعينها فقط، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله عبر إعادة رسم ما هو «مسموح» في المجال العام.

 

ووفقًا للتقرير، فإن المشاركة العامة تحولت إلى مجال محفوف بالمخاطر القانونية والإجرائية، مع تزايد القيود الإدارية والرقابة الرقمية، وهو ما انعكس على حرية التعبير والتنظيم والتجمع السلمي.

 

ويشير التقرير إلى أن هذه القيود لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتكامل في ما بينها، بحيث تؤدي التشريعات والممارسات اليومية والرقابة الرقمية إلى إغلاق تدريجي للمجال العام، وتحويله إلى مساحة عالية الكلفة على الأفراد والجماعات.

 

التشريعات بوصفها أداة لإعادة تشكيل المجال العام

 

يركز التقرير على دور الإطار التشريعي في تقليص مساحة العمل المدني، معتبرًا أن مجموعة من القوانين الصادرة بعد 2013 شكلت حجر الأساس في إعادة تعريف حدود العمل المشروع داخل المجال العام.

 

ويضع التقرير في مقدمة هذه القوانين قانون تنظيم التظاهر لعام 2013، الذي اعتبر أنه فرض قيودًا واسعة على الحق في التجمع السلمي، وأدى إلى توقيف واحتجاز مئات الأشخاص على خلفية المشاركة في احتجاجات أو الدعوة إليها.

 

كما يتناول التقرير قوانين أخرى، بينها تشريعات مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وقوانين تنظيم العمل الأهلي، وقوانين مكافحة الإرهاب، معتبرًا أن هذه الأطر القانونية استخدمت بصورة موسعة لتقييد الحقوق الأساسية.

 

ويرى التقرير أن التطبيق العملي لهذه القوانين أدى إلى إضعاف الضمانات الدستورية، وخلق بيئة قانونية شديدة التقييد للحريات العامة.

 

الدستور والتعديلات اللاحقة

 

يتوقف التقرير عند دستور 2014 بوصفه محطة تشريعية رئيسية، مشيرًا إلى أنه تضمن نصوصًا تعزز حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير وتداول المعلومات.

 

غير أن التقرير يذهب إلى أن هذه المكاسب بقيت – في كثير من الأحيان – ضمن الإطار النظري، في ظل وجود ثغرات تشريعية وممارسات عملية حدّت من تطبيقها.

 

كما يتناول التعديلات الدستورية اللاحقة، معتبرًا أنها أثّرت على توازن السلطات، من خلال توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية في تعيين رؤساء الهيئات القضائية، وتعزيز دور المؤسسة العسكرية في الحياة العامة، وهو ما يرى التقرير أنه انعكس على استقلال المؤسسات وعلى بيئة العمل السياسي والمدني.

 

الإعلام وملكية المنصات

 

على صعيد الإعلام، يرصد التقرير تغيرات واسعة في خريطة ملكية وسائل الإعلام الرئيسية، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا منها أصبح خاضعًا لجهات قريبة من السلطة أو لشركات مرتبطة بها.

 

ويرى التقرير أن هذه التحولات أثّرت على استقلالية المحتوى وعلى شروط العمل الصحفي، وأدت إلى تراجع مساحة التغطيات المستقلة والمتنوعة.

 

وفي المقابل، يشير التقرير إلى تعرض منصات إعلامية مستقلة لضغوط مختلفة، شملت حجب مواقع إلكترونية وملاحقات قضائية واحتجاز صحافيين، ضمن ما يصفه التقرير بإطار أوسع من الضبط المؤسسي للمجال الإعلامي.

 

الفضاء الرقمي ومراقبة المحتوى

 

يخصص التقرير مساحة واسعة للفضاء الرقمي، مؤكدًا أنه أصبح امتدادًا رئيسيًا لمنظومة القيود.

 

ويرصد حالات ملاحقة قانونية لأفراد على خلفية محتوى منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى ما وصفه بأنماط تدخل في الحياة اليومية، مثل تفتيش الهواتف المحمولة في بعض الحالات.

 

ويعتبر التقرير أن هذه الممارسات تعكس انتقالًا من ضبط المجال العام التقليدي إلى مراقبة أدوات التواصل ذاتها، بما يؤثر على حرية التعبير والخصوصية في آن واحد.

 

التجمع السلمي والاحتجاج

 

يرى التقرير أن المجال العام شهد تضييقًا كبيرًا على الحق في التجمع السلمي، مع ملاحقة المشاركين في احتجاجات أو الداعين إليها.

 

ويشير إلى أن هذا الواقع انعكس على قدرة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين على الحشد والتنظيم وبناء شبكات تضامن علنية، ما أدى إلى تراجع أشكال التعبير الجماعي في المجال العام.

 

الانتخابات والمشاركة السياسية

 

في ما يتعلق بالانتخابات، يتناول التقرير ما يصفه بتدخلات أثّرت على التنافسية السياسية، مثل عرقلة ترشح بعض الشخصيات أو ملاحقة كوادر حزبية، إضافة إلى اتهامات بوجود مخالفات انتخابية.

 

ويرى التقرير أن هذه الممارسات ساهمت في تقليص فرص التعددية السياسية، وإعادة تشكيل المجال السياسي ضمن حدود محددة.

 

التنظيمات السلمية والعمل الأهلي

 

يرصد التقرير قيودًا طالت أحزابًا ونقابات وجمعيات أهلية، سواء عبر تعقيد إجراءات التسجيل أو التدخل في الأنشطة أو التأثير في الهياكل الداخلية لبعض الكيانات.

 

ويعتبر أن هذه القيود أدت إلى هشاشة التنظيمات السلمية، وجعلتها عرضة للتعطيل أو التقييد في أي وقت.

 

المدافعون عن حقوق الإنسان

 

يخصص التقرير قسمًا واسعًا لوضع المدافعين عن حقوق الإنسان، مشيرًا إلى تعرض بعضهم لملاحقات قضائية أو إجراءات إدارية مثل المنع من السفر أو تجميد الأموال أو الإدراج في قوائم قانونية.

 

ويرى أن هذه الإجراءات أثّرت على قدرة المنظمات الحقوقية على العمل، وعلى نشاط الفاعلين في الداخل والخارج.

 

أنماط إدارة الفضاء العام

 

يقدم التقرير تحليلًا لأنماط متكررة في إدارة المجال العام خلال الفترة من 2013 إلى 2025، من بينها استخدام الإجراءات الممتدة بدل القرارات المباشرة، وإطالة المسارات القضائية كأداة ضغط، إضافة إلى توسيع القيود إلى الفضاء الرقمي.

 

ويرى أن هذه الأنماط تتكامل لتشكّل منظومة مستقرة لإدارة المجال العام.