يشهد المشهد السوداني تصعيدا عسكريا لافتا وتغيرات ميدانية متسارعة، في وقت تتداخل فيه الجبهات العسكرية مع الأزمات الإنسانية والجهود السياسية المتعثرة، وسط استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات، للعام الثالث على التوالي، وما خلّفته من دمار واسع ونزوح ومجاعة غير مسبوقة.

 

ففي جنوب شرق البلاد، أعلن مصدر عسكري في الجيش السوداني تنفيذ ضربات جوية فجر الأربعاء استهدفت مواقع لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال (جناح عبد العزيز الحلو)، في مدينة ديم منصور بمحلية الكرمك، أقصى جنوب ولاية النيل الأزرق، قرب الحدود الإثيوبية.

 

وأوضح المصدر أن الضربات جاءت عقب سيطرة القوات المتحالفة مع الدعم السريع على البلدة بعد معارك استمرت ساعات مع الجيش، وُصفت بالعنيفة، في واحدة من أكثر المناطق حساسية من حيث الموقع الجغرافي وخطوط الإمداد.

 

وكانت الحركة الشعبية – شمال قد أعلنت في وقت سابق سيطرتها على مدينة ديم منصور الاستراتيجية، إضافة إلى منطقتي بشير نوقو وخور البودي، مؤكدة استيلاء قواتها على مركبات قتالية ودبابات ومخزن يحتوي على طائرات مسيّرة حربية، ما يعكس تصعيدا نوعيا في طبيعة المواجهات.

 

نزوح وحدود مفتوحة

 

وأفاد شهود عيان بأن موجات من السكان فرّت من ديم منصور باتجاه الأراضي الإثيوبية، فيما توجه آخرون إلى مدينة الكرمك التي يسيطر عليها الجيش السوداني، في مشهد يعكس هشاشة الوضع الإنساني على طول الشريط الحدودي، حيث تعتمد الحركة الشعبية – شمال على خطوط إمداد ممتدة من إثيوبيا وجنوب السودان، مستندة إلى علاقات قديمة تعود لعقود.

 

كادوقلي بين فك الحصار والقصف

 

وفي جنوب كردفان، برز تطور ميداني بالغ الأهمية مع إعلان رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان فك الحصار الذي كانت تفرضه قوات الدعم السريع وحلفاؤها على مدينة كادوقلي، عاصمة الولاية، بعد أكثر من عامين من العزلة والمجاعة ونقص الإمدادات.

 

ونقلت وكالة الأنباء السودانية عن البرهان تأكيده أن القوات المسلحة “ستصل إلى أي مكان في السودان”، مشددا على انفتاح الجيش على أي مبادرة سلام حقيقية، شريطة انسحاب قوات الدعم السريع بالكامل من المدن التي تسيطر عليها.

 

غير أن أجواء الانفراج لم تدم طويلا، إذ أعلنت “شبكة أطباء السودان” مقتل 15 مدنيا، بينهم 7 أطفال، جراء قصف بطائرات مسيّرة استهدف أحياء سكنية ومركزا صحيا في كادوقلي، بعد يوم واحد فقط من إعلان فك الحصار.

 

وقالت الشبكة إن القصف طال مستشفى السلاح الطبي ومركزا صحيا آخر، في ظل خروج نحو 50% من المرافق الطبية بالمدينة عن الخدمة بسبب القصف والحصار، معتبرة ما جرى “انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني”.

 

وسبق للشبكة أن أعلنت مقتل 8 مدنيين، بينهم 5 أطفال، في قصف مماثل خلال أقل من 48 ساعة، ما فاقم من معاناة السكان الذين عانوا لسنوات من نقص الغذاء والدواء.

 

الجيش: خسائر فادحة للدعم السريع

 

في المقابل، أكد الجيش السوداني أنه كبّد قوات الدعم السريع خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد خلال معارك فك الحصار عن كادوقلي وفتح طريق كادوقلي–الدلنج، واصفا العملية بـ”الملحمة البطولية”.

 

وأشار بيان عسكري إلى اندحار قوات الدعم السريع وفرار من تبقى منها تحت الضربات المتلاحقة، مع تعهد الجيش بمواصلة العمليات “حتى تطهير البلاد”.

 

احتفالات شعبية ورسائل صمود

 

ميدانيا، شهدت شوارع كادوقلي احتفالات شعبية واسعة عقب دخول القوات المسلحة إلى المدينة، حيث خرج الأهالي بالأهازيج والزغاريد، ورددوا هتافات مؤيدة للجيش، في مشاهد عكست فرحة كبرى بعد سنوات من الحصار والمعاناة.

 

وأكد مواطنون أن المدينة ظلت صامدة ومأهولة بسكانها رغم كل الظروف، معتبرين ما حدث رسالة تحدٍّ لكل محاولات كسر إرادة جنوب كردفان.

 

تحركات سياسية وضغوط دولية

 

على الصعيد السياسي، كشف كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، عن وجود وثيقة يُعتقد أنها مقبولة من طرفي الصراع، وتهدف إلى التوصل لهدنة إنسانية، تمهيدا لوقف إطلاق نار دائم.

 

وأوضح أن الخطة، المدعومة من دول “الرباعية” (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، الإمارات)، تنص على هدنة إنسانية لمدة 3 أشهر، تليها مرحلة انتقالية من 9 أشهر، لكنها اصطدمت حتى الآن برفض من الطرفين.

 

دور إقليمي متصاعد

 

وفي سياق متصل، أثارت تقارير دولية جدلا واسعا بشأن نشر طائرات مسيّرة متطورة قرب الحدود المصرية السودانية، ما اعتُبر مؤشرا على زيادة الانخراط الإقليمي في الصراع.

 

وأكدت القاهرة، على لسان وزير خارجيتها بدر عبد العاطي، دعمها الكامل لوحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفض أي محاولات للتقسيم، مع إدانتها للانتهاكات التي تطال المدنيين.

 

حصيلة ثقيلة وحرب بلا أفق

 

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أسفرت المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عن مقتل عشرات الآلاف، وتهجير نحو 11 مليون شخص، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.