أعاد تصريح اللواء حسن عبد الرحمن، الرئيس الأسبق لجهاز أمن الدولة، بأن “ما حدث في 25 يناير كان مؤامرة على مصر” إشعال الجدل حول رواية السلطة لثورة يناير، ومحاولة محو معناها من الوعي العام. فبعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا على اندلاع الثورة، يصرّ أحد أبرز وجوه جهاز القمع في عهد مبارك على اختزالها في “مؤامرة”، متجاهلًا عقودًا من الفساد والاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان التي فجّرت الغضب الشعبي.

 

في مواجهة هذا الخطاب، جاء رد عدد من رموز الثورة والسياسة والإعلام؛ أحمد ماهر، وعضو مجلس النواب السابق هيثم الحريري، والمدوّن المعروف وائل عباس، والكاتب علاء الخيّام، ليؤكدوا أن المشكلة ليست في يناير، بل في بنية نظام يرفض الاعتراف بأخطائه ويحاول تجريم أي حديث عن الحرية والعدالة.

 

 

تبرير الانتهاكات قبل الثورة.. هروب من الاعتراف بالجذور الحقيقية للانفجار

 

يرى مؤسس حركة “6 أبريل” أحمد ماهر أن توصيف ثورة يناير بوصفها “مؤامرة” ليس سوى محاولة لتبرير الانتهاكات الجسيمة التي سبقتها، والهرب من الاعتراف بالأخطاء الحقيقية التي فجّرت الغضب الشعبي. فقبل 25 يناير، عاشت مصر سنوات من القمع الأمني، وتزوير الانتخابات، وحالات تعذيب موثّقة في أقسام الشرطة ومقار أمن الدولة، إلى جانب انسداد أفق التغيير السلمي عبر الصندوق أو عبر المشاركة السياسية الطبيعية.

 

 

في هذا السياق، يصبح الحديث عن “مؤامرة على مصر” محاولة لتبرئة النظام القديم من مسؤوليته عن تراكم الاحتقان، وإلقاء اللوم على قوى خارجية أو “أجندات” مجهولة. يذكّر ماهر بأن مطالب يناير كانت واضحة وبسيطة: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية. وهي شعارات يصعب وصفها بأنها جزء من مخطط يستهدف الدولة، إلا إذا تم الخلط عمدًا بين النظام والدولة، وبين بقاء الحكم وبقاء الوطن.

 

إعادة إنتاج خطاب المؤامرة، بحسب هذا المنظور، يعني إنكارًا لآلام آلاف الأسر التي فقدت أبناءها في المعتقلات أو في مواجهات مع أجهزة الأمن قبل وبعد الثورة، وتنصّلًا من مسؤولية سياسية وأخلاقية عن مسار طويل من الفساد والاستبداد. لذلك يرى أبناء الثورة أن المشكلة ليست في 25 يناير، بل في محاولة محاكمة الناس على جرأتهم في المطالبة بحقوقهم، بدل محاكمة من أوصل البلاد إلى لحظة الانفجار.
 

 

تجاهل أسباب يناير وتخويف الناس من تكرار الحراك الشعبي

 

من جانبه، يحذّر النائب السابق هيثم الحريري من أن تجاهل الأسباب الحقيقية لثورة يناير، والتمادي في خطاب شيطنتها، يكرّر أخطاء الماضي ويهدد بتكرار الحراك الشعبي في المستقبل. فحين يصرّ مسؤول أمني سابق بهذا الوزن على إنكار جذور الغضب، فإنه يستبدل مراجعة السياسات بإلقاء التهم، ويستبدل الإصلاح الحقيقي ببناء رواية دعائية مريحة لأصحاب السلطة.

 

الحريري يلفت إلى أن الظروف التي دفعت ملايين المصريين للنزول إلى الميادين لم تكن “منشورًا على فيسبوك” أو “تحريضًا من قناة فضائية”، بل كانت نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية منحازة للأقلية، وفساد مستشرٍ، واحتكار للسلطة، وغياب لأي آلية لمحاسبة الأجهزة الأمنية على انتهاكاتها. إنكار هذه الحقيقة، والاكتفاء بوصف الثورة بأنها “مؤامرة”، يرسل رسالة خطيرة مفادها أن النظام مستعد لتكرار المسار نفسه دون اعتذار أو تصحيح.

 

في المقابل، يذكّر الناشط الحقوقي والمدوّن وائل عباس بأن من يهاجمون الثورة اليوم كانوا من أشد خصومها في وقتها، ومن المستفيدين من النظام الذي ثار الناس عليه. لذلك، لا يجوز – في رأيه – التعامل مع رأيهم بوصفه تقييمًا موضوعيًا لما جرى، بل كجزء من معركة سياسية مستمرة لإجهاض أي محاولة لإعادة الاعتبار ليناير ومطالبها. فتقييم الثورة يجب أن يصدر أولًا عن أصحاب المصلحة الحقيقيين: من حلموا بالتغيير ودفعوا ثمنه، لا من وقفوا ضده أو استفادوا من بقاء الأوضاع على ما كانت عليه.

 

 

حملات تشويه الثورة.. محاولة يائسة لطمس حلم الحرية

 

يلخّص الكاتب علاء الخيّام المشهد برمّته باعتباره حلقة جديدة في سلسلة طويلة من حملات تشويه الثورة، التي لم تتوقف منذ اليوم الأول لسقوط مبارك. هذه الحملات، التي تتخذ من الإعلام وأجهزة الأمن منصة، تحاول تصوير يناير ككارثة يجب أن يندم عليها المصريون، لا كلحظة كسر فيها الناس حاجز الخوف ورفعوا صوتهم للمرة الأولى منذ عقود. هدفها، كما يقول الخيّام، هو طمس حلم الحرية من الذاكرة الجماعية، حتى لا يفكر الجيل الجديد في استعادته أو البناء عليه.

 

لكن الرهان على النسيان يبدو خاسرًا؛ فبرغم سنوات القمع، لا تزال روح يناير حاضرة في الخطاب اليومي للناس، في غضبهم من الظلم، وفي المقارنة المستمرة بين وعود السلطة وواقعهم المعيشي القاسي. كما أن الأجيال الأصغر، التي كانت في طفولتها وقت الثورة، بدأت تسأل اليوم عن حقيقتها: لماذا خرج الناس؟ من قتل الشهداء؟ ولماذا لم تتحقق مطالب العيش والحرية والعدالة الاجتماعية؟ هذه الأسئلة لا يمكن إسكاتها بخطاب عن “المؤامرة”، ولا يمكن دفنها عبر إعادة تدوير رموز القمع القديم في ثوب “حماة الدولة”.

 

 

في النهاية، تكشف تصريحات حسن عبد الرحمن وما أثارته من ردود أن معركة الرواية حول يناير ما زالت مفتوحة. فبين من يصرّ على اعتبارها مؤامرة، ومن يراها لحظة تأسيس كان من الممكن أن تفتح أفقًا لدولة أكثر عدلًا وحرية، يقف المجتمع المصري أمام سؤال لم يُجب عنه بعد: هل يتعلّم من أخطاء الماضي، أم يتركها تتكرر تحت لافتة جديدة؟ أبناء الثورة الذين ردّوا على اللواء السابق يعلنون بوضوح أن يناير لم تكن مؤامرة على مصر، بل كانت محاولة لإنقاذها؛ وأن المؤامرة الحقيقية هي إقناع الناس بأن الحلم بالحرية كان خطأً يجب أن لا يتكرر.