لا يتعامل الخبير الإداري الدكتور مراد علي مع تصريحات الكابتن حسام حسن عقب خسارة منتخب مصر أمام السنغال في نصف نهائي أمم إفريقيا 2025 بوصفها مجرد انفعال مدرب خرج من بطولة قارية، بل يقرؤها كصورة مكثفة لـ«منهج إدارة» بات مسيطرًا على قطاعات واسعة في الدولة المصرية؛ منهج يقوم على تصدير شخصيات غير مؤهلة لمواقع المسؤولية، ثم تحويل كل فشل إلى مؤامرة، وكل إخفاق إلى مناسبة لرفع شعارات الوطنية بدل رفع مستوى الأداء.

 

في تغريدته التي انتشرت على منصّة «إكس»، لخص مراد علي المشكلة قائلًا إن تعليق الهزيمة على شماعة الظلم والمؤامرة هو نفس الخطاب الذي يردده مسؤولون كُثر عند أول اختبار حقيقي، بينما الأرقام داخل الملعب تقول شيئًا آخر تمامًا.
 

 

أولاً - مباراة السنغال تكشف الفارق بين الخطاب والأرقام

 

خسر المنتخب المصري أمام السنغال بهدف دون رد على استاد ابن بطوطة في طنجة، في مباراة هيمنت فيها كتيبة ساديو ماني على الكرة والفرص، مقابل حضور مصري دفاعي أغلب الوقت. الإحصائيات الرسمية للمباراة تؤكد أن مصر سددت أربع مرات فقط طوال اللقاء، منها تسديدة واحدة فقط على المرمى، مقابل 11 تسديدة للسنغال، بينها أربع بين القائمين والعارضة، مع استحواذ سنغالي وصل إلى نحو 65% مقابل 35% للفراعنة، إضافة إلى ست ركنيات للسنغال مقابل ركنية وحيدة لمصر. هذه الأرقام لا تقول إن منتخب مصر كان «الأقرب للفوز»، بل تؤكد أنه كان الطرف الأضعف هجوميًا والأقل حضورًا في الثلث الأخير من الملعب.

 

ورغم هذه الصورة الرقمية الواضحة، خرجت أغلب تصريحات الجهاز الفني لتتحدث عن ظلم تحكيمي وظلم تنظيمي، وجدول مباريات غير عادل، وسفر مرهق، وراحة أطول للسنغال، وضغط جماهيري، وكأن الفارق الحقيقي لم يكن في جودة التنظيم داخل الملعب، ولا في القدرة على خلق الفرص، بل في «الظروف المحيطة» وحدها. هنا بالتحديد يلتقط د. مراد علي الخيط؛ فالمشكلة ليست في مباراة كرة قدم خسرها منتخب وخرج من بطولة، بل في عقلية إدارة ترفض الاعتراف بالتقصير، وتصر على صناعة رواية مريحة عن «مؤامرة» تحاك ضد مصر كلما فشل مسؤول أو مدرب أو وزير.

 

ثانيًا - تصريحات حسام حسن.. من طلب العدالة إلى خطاب المظلومية

 

في المؤتمر الصحفي عقب اللقاء، كرر حسام حسن أكثر من مرة أن «اللي حصل لمنتخبي مش عدل»، مشيرًا إلى أن مصر لعبت نصف النهائي بعد يومين فقط من مواجهة كوت ديفوار، قادمة من سفر وتغيير مدينة وفندق وملعب تدريب، بينما حصلت السنغال على ثلاثة أيام راحة وبقيت في نفس المدينة ونفس أجواء الإقامة طوال البطولة. وأكد أن منتخب مصر «تُرك تحت الضغط» بينما تم «تكريم» المنافس بمنحه أفضلية زمنية وتنظيمية غير مبررة، على حد وصفه.

 

ثم وسّع المدير الفني دائرة الاعتراض لتشمل اللجنة المنظمة والاتحاد الإفريقي «الكاف»، متحدثًا عن غياب العدالة في جدول البطولة، وأن ما حدث «ليس احترافيًا»، قبل أن يعود ليؤكد أنه «ليس من هواة الأعذار» وأنه يتحمل المسؤولية عن النتيجة، مع تكرار جمل من نوع «منتخب مصر لا يحتاج للحجج» و«محدش يقدر يكرر إنجازاتنا السبعة» و«مصر أم العرب وأم إفريقيا». هذا التداخل بين خطاب المظلومية وخطاب الفخر الوطني هو ما ينتقده مراد علي: فبدل أن تُقرأ المباراة بعيون فنية وأرقام واضحة، تتحول إلى منبر جديد للشعارات، تُستدعى فيه الوطنية والإنجازات القديمة لتغطية فشل الحاضر.

 

إلى جانب ذلك، ألمح حسام حسن إلى أن «هناك من كان قلقًا من وصول مصر إلى النهائي» لأن الفراعنة كانوا قريبين من اللقب، في إشارة يفهم منها أن أطرافًا داخل المنظومة كانت لا ترغب في تتويج المنتخب. هنا ينتقل الخطاب خطوة إضافية من نقد جدول المباريات والتحكيم، إلى خطاب «المؤامرة الداخلية» التي تحيكها أطراف مجهولة ضد المنتخب والبلد، دون تقديم أي دليل أو شرح موضوعي، وهو نفس النمط المتكرر في قطاعات أخرى حين يُتهم «أعداء النجاح» و«القوى المتربصة» و«الطابور الخامس» بكل ما يحدث من كوارث.

 

ثالثًا - من منتخب بلا فرص إلى دولة بلا محاسبة

 

ما يعنينا في قراءة د. مراد علي ليس تقييمًا تكتيكيًا لخطة 4-3-3 أو خيارات التغيير المتأخرة، بل الربط بين ما جرى في ملعب طنجة وبين الطريقة التي تُدار بها ملفات السياسة والاقتصاد والإعلام في مصر. فحين يقال للجمهور إن منتخبًا لم يصنع تقريبًا فرصًا حقيقية، ولم يظهر إلا بعد تلقي الهدف، كان «قريبًا من البطولة» لولا ظلم الجدول والحكام والظروف، فإن الرسالة غير المعلنة هي نفسها التي يسمعها المواطن حين يبرر مسؤول فشل مشروعات بمليارات الجنيهات بأنها «مؤامرة على الدولة»، أو «حرب شائعات»، أو «استهداف خارجي»، دون أن يجرؤ أحد على فتح تحقيق جدي أو إعلان محاسبة حقيقية لأي مسؤول عن القرار.

 

استمرار إسناد المسؤوليات لكوادر لا تُختار على أساس الكفاءة والخبرة، بل على أساس الولاء والضجيج ورفع الصوت بشعارات الوطنية، ثم إحاطتهم بهالة من الحصانة الرمزية باسم «سمعة البلد» و«المشروع الوطني»، يجعل من الطبيعي تمامًا أن يتحول أي نقد لأدائهم إلى «إساءة لمصر» أو «إسقاط على الدولة». وفي هذا السياق، تبدو تصريحات حسام حسن بعد الهزيمة جزءًا من منظومة أكبر، وليست مجرد انفعال رياضي؛ منظومة ترفض الاعتراف بأن الأداء كان ضعيفًا، وأن الخطط كانت أقل من مستوى المنافس، وأن إدارة الملف – سواء كان ملف كرة أو اقتصاد أو تعليم – تحتاج إلى مراجعة شجاعة لا إلى مزيد من اللافتات الوطنية.

 

في النهاية، يطلق د. مراد علي صرخته المختصرة: «أفيقوا». فإما أن تتحول الهزيمة في ملعب كرة إلى درس في معنى المسؤولية والشفافية والمحاسبة، وإما أن تبقى مؤشرًا جديدًا على طريق الانهيار، حيث تتكرر نفس المعادلة: مسؤول غير مؤهل، أداء متواضع، فشل واضح، ثم خطاب صاخب عن المؤامرات والأعداء والوطنية. وبين هذه وتلك، يبقى الجمهور – في المدرجات وفي الشوارع – هو من يدفع الثمن، وهو من يحتاج فعلًا أن يستيقظ، لا ليكتفي بتغيير مدرب، بل ليسأل عن المنهج الذي أفرزه، وعن دولة باتت تتقن صناعة الأعذار أكثر مما تتقن صناعة الانتصارات.