في اليوم الخامس والتسعين على التوالي من خرق اتفاق وقف إطلاق النار، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي استهدافها لمناطق متفرقة من قطاع غزة، في وقت يعيش فيه أكثر من مليوني فلسطيني، غالبيتهم من النازحين، بين نيران القصف وبرد الشتاء القارس، وسط انهيار شبه كامل لمقومات الحياة، وتصاعد المخاوف من كارثة إنسانية أعمق مع استمرار الحصار ومنع إدخال مستلزمات الإغاثة والإيواء.
شهداء برصاص الاحتلال شرق خان يونس وجباليا
وأفادت مصادر طبية باستشهاد مواطنين اثنين، أحدهما الممرض في مجمع ناصر الطبي حاتم أبو صالح، الذي استشهد صباحًا جراء إطلاق نار من قوات الاحتلال قرب دوار بني سهيلا شرق مدينة خان يونس جنوبي القطاع. وفي ساعات الظهيرة، وصل شهيد آخر إلى مجمع ناصر الطبي بعد إصابته برصاص الاحتلال في المنطقة ذاتها، في استمرار لعمليات الاستهداف المباشر للمدنيين.
وفي شمال القطاع، استشهد الشاب أحمد رائد أبو حسين، متأثرًا بجراحه التي أصيب بها الليلة الماضية جراء إطلاق النار عليه من جنود الاحتلال في مخيم جباليا، في مشهد يعكس اتساع رقعة الانتهاكات رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار منذ أكثر من ثلاثة أشهر.
قصف جوي ومدفعي وتحليق مكثف للطيران
وشهدت ساعات الصباح تصعيدًا ميدانيًا جديدًا، حيث أطلقت الطائرات المروحية الإسرائيلية نيرانها باتجاه الأحياء الشمالية لمدينة رفح، في خرق واضح لبنود التهدئة. كما شن الطيران الحربي غارات على المناطق الغربية من المدينة، ما أدى إلى حالة من الهلع في صفوف السكان، وفق شهادات ميدانية.
وامتد القصف المدفعي ليطال المناطق الشمالية الشرقية من مدينة خان يونس، إضافة إلى شرقي مخيم البريج وسط القطاع، بالتزامن مع تحليق مكثف للمروحيات الإسرائيلية على ارتفاعات منخفضة فوق أحياء خان يونس، ما زاد من حالة التوتر والرعب بين الأهالي، لا سيما الأطفال والنساء.
ادعاءات إسرائيلية وغياب التأكيدات الفلسطينية
وفي سياق متصل، أعلنت قوات الاحتلال صباح اليوم اغتيال ستة مسلحين غرب مدينة رفح، زاعمة أنها رصدتهم خلال الليلة الماضية. إلا أن مصادر فلسطينية لم تؤكد هذه الرواية، في وقت أشارت فيه مصادر في المقاومة إلى فقدان الاتصال بعشرات المقاومين داخل أنفاق رفح منذ أسابيع، وسط مماطلة إسرائيلية في السماح بتأمين خروجهم، قبل أن تعلن بين الحين والآخر عن اغتيال عدد منهم.
حصيلة دامية منذ وقف إطلاق النار
وتشير بيانات وزارة الصحة في قطاع غزة إلى أن المستشفيات استقبلت خلال الـ24 ساعة الماضية 15 شهيدًا، من بينهم شهيدان جديدان، و13 شهيدًا جرى انتشالهم من تحت الأنقاض. وأكدت الوزارة أن عددًا من الضحايا لا يزالون تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم بسبب الدمار الواسع ونقص الإمكانيات.
ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي، ارتفع إجمالي عدد الشهداء إلى 449 شهيدًا، فيما بلغ عدد المصابين 1,246، إضافة إلى انتشال 710 جثامين. أما منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر 2023، فقد ارتفعت الحصيلة الإجمالية إلى 71,439 شهيدًا و171,324 جريحًا، في واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ القطاع.
المنخفض الجوي.. عدو إضافي للنازحين
بالتوازي مع التصعيد العسكري، يواجه قطاع غزة أحد أقسى المنخفضات الجوية منذ بداية فصل الشتاء، حيث بلغت سرعة الرياح نحو 90 كيلومترًا في الساعة، مصحوبة بأمطار غزيرة، أدت إلى اقتلاع مئات الخيام وغرق آلاف أخرى، خاصة في مناطق النزوح الساحلية.
وأسفرت هذه الظروف خلال اليومين الماضيين عن استشهاد 7 فلسطينيين نتيجة انهيار مبانٍ متضررة سابقًا بالقصف، إضافة إلى حالات استشهاد بسبب البرد القارس. وبذلك يرتفع عدد ضحايا انهيار المباني منذ بداية الشتاء إلى 25 حالة وفاة، وفق وزارة الصحة.
الحياة تحت التهديد.. برج متصدع وخيام هشة
في ساحة الجندي المجهول بحي الرمال غربي مدينة غزة، تعيش عائلة رائد الكفارنة، المكوّنة من 22 فردًا، داخل خمس خيام بدائية نُصبت على بعد أمتار قليلة من برج بنك فلسطين المتصدع. ومع كل هبة رياح أو اشتداد للأمطار، تتحول المنطقة إلى ساحة انتظار مفتوحة لاحتمال كارثة في أي لحظة.
البرج، المؤلف من 15 طابقًا، تعرض لقصف إسرائيلي دمّر طوابقه السفلية، وأضعف أعمدته الخرسانية، ما جعله آيلًا للسقوط. ويقول الكفارنة: “لم نعد نخشى صوت الطائرات… أكثر ما يرعبنا أن ينهار البرج فوق رؤوسنا ونحن نائمون”.
مكفوفون تحت خيمة.. معاناة مضاعفة
وفي حي الشيخ رضوان شمالي غزة، يعيش مهند البلعاوي مع أسرته داخل خيمة صغيرة، في ظل ظروف إنسانية قاسية، حيث يعاني هو واثنان من أبنائه من فقدان البصر. ومع كل هطول للأمطار، تغرق الخيمة بالمياه، فيما تتحول محيطاتها إلى برك من الوحل والمياه العادمة.
ويقول مهند: “نخاف من الليل أكثر من النهار… البرد والمطر أحيانًا أقسى من القصف”، في تعبير صادق عن حال آلاف العائلات التي تواجه الشتاء دون مأوى حقيقي أو وسائل تدفئة.
أرقام صادمة وتحذيرات دولية
وبحسب معطيات المكتب الإعلامي الحكومي، تسببت المنخفضات الجوية بانهيار أكثر من 20 مبنى فوق رؤوس ساكنيها، إضافة إلى انهيار جزئي لأكثر من 150 مبنى، ما أدى إلى وفاة 24 مواطنًا، بينهم 21 طفلًا. ويحول غياب المعدات الثقيلة دون إزالة المباني الآيلة للسقوط، ما يبقي الخطر قائمًا في أي لحظة.
من جهته، أكد رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في غزة، أمجد الشوا، أن نحو 10 آلاف أسرة تقيم على شاطئ البحر تعرضت خيامها للغرق والتطاير، محذرًا من تفاقم الكارثة الإنسانية في ظل منع الاحتلال إدخال مستلزمات الإيواء والمواد الطبية، وعرقلة عمل المنظمات الدولية.
وفي السياق ذاته، شدد مدير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية على أن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بات ضرورة ملحة، محمّلًا المجتمع الدولي مسؤولية الإخفاق في التعامل مع الكارثة المتواصلة، في ظل توفر مساعدات إنسانية كبيرة يُمنع إدخالها إلى القطاع.
غزة بين النار والشتاء
بين رصاص الاحتلال وعواصف الشتاء، يقف الفلسطينيون في غزة أمام امتحان يومي للبقاء، حيث تتقاطع آلة الحرب مع قسوة الطبيعة، في مشهد يعكس حجم المأساة الإنسانية المستمرة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه شعب يُترك وحيدًا في مواجهة الموت، بأشكاله كافة.

