عبد الله حلمي
كاتب صحافي
أمريكا أرض الفردوس لدى الكثيرين يكاد يجمع عاشقوها ورافضوها ، على رغبة العيش بها ، حيث تصل مساحتها إلى 9.5 مليون كم من الأرض يسكنها قرابة 340 مليونا من شتى الأجناس، مساحة تسمح بالتنوع المناخي، والثراء الاقتصادي، الزراعي والاجتماعي ووفرة في الموارد والمواد الخام والقابلية لاستقبال العقول النابهة من كل حدب وصوب، تضم خمسين ولاية لكل واحدة منها نجمة في العلم الأشهر عبر العالم، تتسع عرضا من المحيط إلى المحيط بفارق توقيت محلي يصل إلى الساعتين.
-بلاد العجب، بلاد الترف والحيوية، السينما (الثقافة) الحكم والسياسة، والعلم والمال والأعمال، بلاد القوة الخشنة بالسلاح والقوة الناعمة بالدبلوماسية البرجماتية في أقوى صورها، ففي العاصمة الصغيرة (واشنطن ) يتم حسم أمور كثيرة حول العالم ، حيث البيت الأبيض بمكتبه البيضاوي، ومبنى الكابيتول حيث مجلس النواب والشيوخ وأكبر مكتبة في العالم (مكتبة الكونجرس)، والبنتاجون والخارجية وفيها تختلط السياسية بالعسكرة، والمبادئ، والمصالح
-أما نيوريوك العاصمة السابقة حيث مقر الأمم المتحدة وناطحات السحاب والبورصة (وول ستريت) وحيث تمثال الحرية يدهشك أنه على بعد مئات الأمتار من كل هذا، خيم لأناس لا سقف لهم يظلهم فقراء ، على مرمى حجر من أثرى أثريا العالم، فلا تندهش كثيرا حين تعلم أن الصورة الأقرب للواقع للبيت الأمريكي هي لرجل عاطل مدمن للخمر يشاهد التلفاز بشغف ويعيش على حساب زوجته، أو رفيقته ويضربها بعنف.. هذه هي الصورة بخلاف ما تقدمه هوليوود.
- 55% من الأمريكيين يعانون من السمنة المفرطة وكثير منهم متعلمون بالكلية وأقل من 1% من الأمريكان يهتمون بالسياسة الخارجية وكل ما يعنيهم هو الدولار، في بلاد الشلالات الشهيرة وصحراء نيفاد القائظة وثلوج نيويورك في أعياد الميلاد في بلاد ديزني وشمس (فلوريدا) الساطعة، وأندية القمار في (لاس فيجاس)، ووادي السيلكون و(هوليوود) في (لوس أنجلوس)، في نفس هذه البلاد تعيش جماعة (الأميش) بولاية (بنسلفانيا) بوسائل نقل وملاعب، وآلات زراعة القرن ال18.
-في بلاد القانون يتساءل الأمريكان لماذا تحدث لنا نحن الأمريكيين الطيبين أشياء سيئة؟ ربما لا يعلمون أعداد من قتلهم السلاح الأمريكي والملايين التي حاضرها الأمريكان وجوعوها ، ربما لا يعلمون شيئا عن (جوانتاناموا) السجن سيء السمعة الموجود على جزيرة كوبية لكي لا يخضع للقانون الأمريكي، لكنهم يرون السلاح في يد المراهقين يقتلون به زملاءهم في المدارس ولا يعلو صوت يطلب تملك واستخدام السلاح!
-في دولة الدولار والذهب ووداي السيلكون مقصد العبقريات من كل أرجاء المعمورة يبلغ الدين العام 35.5 تريليون دولار وعجز الموازنة 1.8 تريليون، وكل 3 أشهر يجتمع المسئولون ولكي يتجنبوا إعلان الإفلاس يطرحون مزيداً من أذون الخزانة !
في بلا بلاد الأحلام التي أسسها الأباء المؤسسون من المغامرين أو المتطرفين وطريدي العدالة والباحثون عن الذهب، ودعاة العنصرية الذين قتلوا مائة مليون هندي أحمر وصنعوا جلود بعضهم أحذية وأحزمة تسيطر 6 شركات فقط في عالم السينما، والأنترنت وكلها مملوكة ليهود!
-الشعب الأمريكي في غالبيته مسيحي إنجيلي وهو شعب متدين بالمقارنة بأوروبا وللدين دور هام في المجتمع الأمريكي المحافظ على غير ما يعتقد الكثيرون، ومراسمهم في تنصيب الرئيس الأمريكي تدل على ذلك بوضوح، ولأمريكا في انتخابات الرئاسة شأن عجيب، فالرئيس لا ينتخب رسميا من جموع الشعب، وإنما من أعضاء المجمع الانتخابي ال538 الذين هم أعضاء النواب والشيوخ.
- أمريكا بعد (البيسبول)، وكرة القدم الأمريكية الغربية، وهوكي الجليد، وكرة السلة الساحرة تختلف في أشياء كثيرة ، حيث معدلات الجريمة في ولاية لا تعد كذلك في أخرى، وعقوبة الإعدام مطبقة في بعض الولايات، وغير مطبقة في أخرى، في أمريكا بلد الحريات It's a free country) ) حزبان فقط يتنافسان ، أحدهما يرى تفوق الرجل الأبيض والأخر يؤيد الشذوذ، ويحض على الإجهاض والمواطن الأمريكي الحر لا يملك إلا أن يختار بين هذين النقيضين.
-أمريكا التي تصدر خارجيتها تقريرا سنويا بخصوص الحريات في العالم كانت تخصص مقاعداً للبيض في مقدمة الحافلات وأخرى للسود في المؤخرة، ومراحيض آدمية للبيض وأخرى دون ذلك للسود، ولم ينته هذا التميز إلا بتظاهرات عارمة للسود، ومقاطعة شاملة لوسائل المواصلات العامة عام 1955.
-هذه هي الولايات المتحدة أرض الأحلام ، مأوى العقليات والعبقريات، بلاد الشركات متعددة الجنسيات التي تسيطر وحدها على 33% من التجارة العالمية، بلاد التقدم والعلم والتكنولوجيا لكنها كذلك بلاد تساق فيها الجموع من خلال الإعلام، والصحافة، والفضائيات، بلاد كل ما فيها يلمع ولكن ليس كل ما يلمع ذهباً، بلاد القطب الواحد في العالم منذ أوائل التسعينات لكنها بلاد الغطرسة وثقافة الكابوي، دولة الأخلاط والعنصرية التي إذا ما أثبت وجودك فيها، صرت متنفذاً غنياً قادراً على ما فعل لا يستطيعه غيرك.

