واصلت أسعار الذهب ارتفاعها القوي في أسواق الصاغة بمصر، في مشهد يعكس انفصالًا واضحًا بين السوق المحلية والأسواق العالمية. فقد ارتفع سعر جرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولًا، بقيمة 30 جنيهًا ليصل إلى 6015 جنيهًا، مقابل 5985 جنيهًا في نهاية تعاملات أمس، بالتوازي مع استمرار صعود الأوقية عالميًا خلال الأيام الماضية.

 

ووفقًا لآخر تحديثات الأسعار، صعد جرام الذهب عيار 18 إلى 5155 جنيهًا، بينما سجل جرام عيار 24 نحو 6874 جنيهًا، كما ارتفع سعر الجنيه الذهب بقيمة 240 جنيهًا ليصل إلى 48120 جنيهًا، دون احتساب ضريبة الدمغة أو القيمة المضافة. هذه الأرقام تعكس موجة ارتفاع متسارعة تضغط على السوق المحلي، وتعيد طرح أسئلة حول أسباب الصعود وحدوده في ظل معطيات اقتصادية عالمية متباينة.

 

نقص المعروض واندفاع الطلب: لماذا ارتفع الذهب محليًا؟

 

خبراء سوق الذهب يرجعون الارتفاع المحلي إلى عوامل داخلية أكثر من كونه انعكاسًا مباشرًا للأسعار العالمية. سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة»، أوضح أن أسعار الذهب في السوق المصرية ارتفعت بنحو 30 جنيهًا خلال تعاملات اليوم مقارنة بختام أمس، ليسجل جرام عيار 21 قرابة 6050 جنيهًا وفق بعض التعاملات، بينما حققت الأوقية مكاسب أسبوعية بلغت 4%، أي ما يعادل 178 دولارًا، لتنهي تداولات الأسبوع عند مستوى 4510 دولارات.

 

وأشار إمبابي إلى أن سعر جرام الذهب عيار 24 بلغ نحو 6914 جنيهًا، في حين سجل جرام عيار 18 قرابة 5186 جنيهًا، وارتفع الجنيه الذهب إلى حوالى 48.400 جنيه. هذا الصعود، بحسب خبراء، جاء رغم توقف التداولات العالمية في بعض الفترات، نتيجة زيادة الطلب المحلي بشكل ملحوظ، بالتزامن مع نقص واضح في المعروض من الذهب الخام.

 

ويربط الخبراء هذا النقص بإغلاق عدد من محال تجارة الخام خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع أعياد الميلاد، ما قلّص الكميات المتاحة للصياغة والتداول. ومع محدودية المعروض، يتحول أي طلب إضافي إلى ضغط سعري مباشر، خاصة في سوق يتسم بحساسية عالية تجاه التغيرات النفسية والتوقعات المستقبلية. ويؤكد خبراء أن الذهب في مصر لم يعد مجرد ملاذ آمن، بل أصبح أيضًا أداة تحوط ضد التضخم وتقلبات سعر الصرف، ما يضاعف الطلب حتى في أوقات الركود.

 

ترامب، الفيدرالي، والتوترات الجيوسياسية: محركات المشهد العالمي

 

على الصعيد الدولي، شهدت أسعار الذهب تراجعًا طفيفًا مع بداية التعاملات، في وقت ينظر فيه المتعاملون إلى ما وراء تصاعد التوترات الجيوسياسية، مترقبين صدور بيانات اقتصادية أمريكية مهمة هذا الأسبوع. وتداول المعدن النفيس قرب 4470 دولارًا للأونصة، بعد أن كان قد ارتفع بأكثر من 4% خلال الجلسات الثلاث السابقة.

 

ويرى خبراء أن حالة الترقب في الأسواق العالمية تعود جزئيًا إلى تصريحات دونالد ترامب، التي ساهمت في رفع منسوب القلق الجيوسياسي مع بعض الدول، ما أعاد الذهب إلى واجهة الملاذات الآمنة. في الوقت نفسه، تفاعل المستثمرون مع بيانات سوق العمل الأمريكي، التي جاءت متباينة وأعادت رسم توقعات السياسة النقدية.

 

تقرير مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أظهر أن الاقتصاد أضاف 50 ألف وظيفة في ديسمبر، أقل من التوقعات البالغة 60 ألف وظيفة، وأقل من القراءة المعدلة السابقة البالغة 56 ألف وظيفة. ورغم هذا التباطؤ، تراجع معدل البطالة إلى 4.4% مقابل 4.6%، وهو أقل من التوقعات عند 4.5%، ما خفف المخاوف من تدهور حاد في سوق العمل.

 

هذه البيانات عززت رهانات المستثمرين على اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة. ورغم أن بعض المؤشرات الاقتصادية حدّت من التوقعات قصيرة الأجل، فإن المتداولين ما زالوا يتوقعون خفضًا تراكميًا للفائدة بنحو 50 إلى 56 نقطة أساس خلال عام 2026، وهو عامل داعم تقليدي لأسعار الذهب.

 

البيانات الاقتصادية المقبلة: إلى أين تتجه الأسعار؟

 

ينتظر تجار الذهب خلال الأسبوع المقبل صدور حزمة بيانات أمريكية مفصلية، تشمل معدلات التضخم، ومبيعات التجزئة، ومؤشرات التصنيع الإقليمية، وطلبات إعانة البطالة، إلى جانب خطابات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي. هذه البيانات ستحدد إلى حد كبير اتجاه السوق في المدى القصير، سواء باستمرار الصعود أو حدوث تصحيح محدود.

 

وفي هذا السياق، استقرت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات عند نحو 4.171%، وهو مستوى يدعم الذهب نسبيًا مقارنة بفترات الارتفاع الحاد في العوائد. كما أظهرت بيانات قطاع الإسكان تراجع تراخيص البناء بنسبة 0.2% في أكتوبر إلى 1.412 مليون وحدة، مقابل 1.415 مليون، وانخفاض بدء بناء المساكن الخاصة بنسبة 4.6% إلى 1.246 مليون وحدة مقارنة بـ1.306 مليون في سبتمبر، ما يعكس تباطؤًا نسبيًا في أحد أهم محركات الاقتصاد الأمريكي.

 

في المقابل، جاءت القراءة الأولية لمؤشر ثقة المستهلك لجامعة ميشيجان لشهر يناير عند 54 نقطة، مقارنة بـ52.9 نقطة في نهاية نوفمبر، متجاوزة التوقعات البالغة 53.5 نقطة. واستقرت توقعات التضخم لعام واحد عند 4.2%، بينما ارتفعت توقعات التضخم لخمس سنوات إلى 3.4% مقابل 3.2%، وهو ما يعيد إشعال الجدل حول مدى سرعة خفض الفائدة.

 

وعقب صدور هذه البيانات، خفّض بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي للربع الرابع من عام 2025 إلى 5.1%، بانخفاض 0.3% عن التقدير السابق. هذه القراءة، في نظر الخبراء، تعزز سيناريو السياسة النقدية الأكثر تيسيرًا، ما يدعم الذهب على المدى المتوسط.

 

خلاصة المشهد

 

يرى خبراء أن استمرار ارتفاع الذهب في مصر مرهون بعاملين متداخلين: نقص المعروض المحلي وزيادة الطلب التحوطي من جهة، ومسار الفائدة الأمريكية والتوترات الجيوسياسية من جهة أخرى. وبينما قد تشهد الأسعار تصحيحات قصيرة، فإن الاتجاه العام ما زال صاعدًا، ما دام عدم اليقين الاقتصادي حاضرًا، وما دام الذهب يحتفظ بدوره كملاذ أخير في أوقات القلق العالمي.