في زيارة وصفتها الإدارة الأمريكية بـ"الإنسانية"، وصلت الممثلة الأمريكية أنجلينا جولي، الجمعة، إلى مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء ومعبر رفح البري من الجانب المصري، برفقة وفد من وزارة الخارجية الأمريكية.
الزيارة التي شملت تفقد الجرحى الفلسطينيين في مستشفى العريش العام ومتابعة آليات إدخال المساعدات عبر معبر رفح، تثير تساؤلات جوهرية حول جدواها الفعلية وتوقيتها السياسي.
فالإدارة الأمريكية التي أرسلت جولي في هذه الجولة هي ذاتها التي قدمت دعماً عسكرياً ومالياً غير محدود لإسرائيل منذ بداية العدوان على غزة، واستخدمت حق النقض في مجلس الأمن أكثر من أربع مرات لمنع قرارات وقف إطلاق النار. بعد أكثر من 15 شهراً من الحرب التي أسفرت عن استشهاد أكثر من 50 ألف فلسطيني وإصابة عشرات الآلاف، تأتي هذه الزيارة لتطرح سؤالاً محورياً: هل يمكن للدولة التي تمول الحرب أن تقدم نفسها كمنقذ إنساني؟
التناقض الأمريكي: 20 مليار دولار أسلحة وزيارة إنسانية
المفارقة الصارخة في زيارة أنجلينا جولي تكمن في هوية الجهة التي نظمتها: وزارة الخارجية الأمريكية.
فمنذ السابع من أكتوبر 2023، وقّعت الإدارة الأمريكية على أكثر من 100 صفقة سلاح لإسرائيل بقيمة تجاوزت 20 مليار دولار، شملت قنابل وصواريخ وطائرات مقاتلة استُخدمت مباشرة في قصف المدنيين والمستشفيات والمدارس في غزة.
الكونغرس الأمريكي صادق على هذه الصفقات بأغلبية ساحقة رغم التقارير الدولية الموثقة عن ارتكاب إسرائيل جرائم حرب.
جولي التي استمعت في مستشفى العريش العام إلى شرح الطواقم الطبية حول "طبيعة الإصابات والضغوط التي تواجه المنظومة الصحية"، كان يفترض أن تعرف أن معظم هذه الإصابات ناتجة عن أسلحة أمريكية الصنع.
قنابل GBU-39 وصواريخ JDAM التي استخدمتها إسرائيل بكثافة في قصف الأحياء السكنية، كلها مصنوعة في الولايات المتحدة ومُصدّرة بموافقة الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
استخدام الإدارة الأمريكية لحق النقض (الفيتو) أربع مرات في مجلس الأمن لمنع إصدار قرارات بوقف إطلاق النار، يعني أن واشنطن ليست مجرد داعم للحرب، بل شريك مباشر في استمرارها.
الدبلوماسية الأمريكية عرقلت كل المحاولات الدولية لوقف القتل، بينما تقدم الآن نفسها من خلال زيارة جولي كطرف مهتم بالأوضاع الإنسانية.
معبر رفح: الحصار المصري الإسرائيلي المشترك
جزء رئيسي من زيارة جولي تركز على معبر رفح البري، حيث تابعت "مسار دخول المساعدات الإنسانية والإغاثية" واطلعت على "الجهود المصرية المبذولة لتيسير مرور القوافل الإغاثية".
لكن الأرقام الرسمية تكشف واقعاً مختلفاً تماماً. قبل السابع من أكتوبر 2023، كان يدخل إلى غزة يومياً بين 400 إلى 500 شاحنة محملة بالبضائع والمواد الغذائية عبر معبر كرم أبو سالم.
حالياً، يدخل في أفضل الأيام بين 50 إلى 100 شاحنة فقط، أي أقل من 20% من الحاجة الفعلية.
معبر رفح الذي وُصف في التقارير الإعلامية بأنه "المنفذ البري الوحيد بين القطاع ومصر"، ظل مغلقاً لفترات طويلة منذ بداية الحرب.
النظام المصري فرض قيوداً مشددة على حركة الأشخاص والبضائع، ورفض فتح المعبر بشكل دائم وكامل لإدخال المساعدات الإنسانية.
حتى الجرحى والمرضى يواجهون صعوبات بالغة في الخروج للعلاج، حيث يُسمح فقط لعدد محدود منهم بالمرور يومياً.
التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل على معبر رفح معروف ومُعلن، حيث تخضع جميع الشاحنات لتفتيش إسرائيلي مشدد، وتُمنع مواد أساسية كمواد البناء والوقود والمعدات الطبية بحجج أمنية واهية.
النظام المصري يلعب دور الوسيط الذي يدير هذا الحصار، مما يجعله شريكاً فعلياً في تجويع مليوني فلسطيني.
الجرحى في العريش: أرقام وحقائق مسكوت عنها
زيارة جولي لمستشفى العريش العام لتفقد الجرحى الفلسطينيين تبدو "إنسانية" ظاهرياً، لكن الأرقام تكشف محدودية ما يُقدّم.
منذ بداية العدوان، استقبلت المستشفيات المصرية بضعة آلاف فقط من الجرحى، بينما يقدّر عدد المصابين في غزة بأكثر من 100 ألف، معظمهم لا يزالون داخل القطاع دون علاج كافٍ بعد تدمير إسرائيل للبنية الصحية بالكامل.
الاحتلال الإسرائيلي دمّر أو أخرج عن الخدمة 36 مستشفى ومركزاً صحياً في غزة، واستهدف الأطقم الطبية وسيارات الإسعاف بشكل ممنهج.
آلاف الجرحى ماتوا بسبب عدم توفر العلاج أو الأدوية أو القدرة على إجراء العمليات الجراحية. الحصار منع دخول المعدات الطبية والأدوية الأساسية، بينما استهدف الاحتلال المولدات الكهربائية ومخازن الأدوية.
الطواقم الطبية في العريش التي شرحت لجولي "الضغوط" التي تواجهها، تتعامل في الحقيقة مع حالات حرجة جداً كان يفترض أن تُعالج فوراً في غزة، لكن تدمير المستشفيات وغياب الإمكانيات أجبر على نقلها عبر معبر يفتح ويُغلق حسب المزاج الأمني المصري الإسرائيلي.
الحقيقة أن زيارة جولي، مهما كانت نواياها الشخصية، لا تقدم حلاً حقيقياً للكارثة الإنسانية في غزة.
ما يحتاجه الفلسطينيون ليس زيارات دعائية، بل وقف فوري للعدوان، ورفع كامل للحصار، وفتح دائم لكل المعابر، وإدخال آلاف الشاحنات يومياً، وإعادة بناء البنية التحتية الصحية.
والأهم: محاسبة دولية لكل من شارك في هذه الجريمة، بدءاً من الاحتلال الإسرائيلي ووصولاً إلى الولايات المتحدة التي مولته وحمته دبلوماسياً.

